شكّل الاتفاق المبدئي بين الرئيس السوري أحمد الشرع والرئيس الأميركي دونالد ترامب محطةً مفصلية في العلاقات السورية – الأميركية بعد سقوط نظام الأسد. فقد تضمن الاتفاق، وفق بيان رسمي صادر عن البيت الأبيض، شرطاً واضحاً بـ”إنهاء قضية المقاتلين الأجانب في سوريا”، كأحد العوامل الأساسية لرفع العقوبات المفروضة على دمشق.
ويُنظر إلى هذه القضية داخل أروقة الخارجية الأميركية و”البنتاغون” على أنها ذات أولوية استراتيجية، ليس بسبب خلفيات بعض هؤلاء المقاتلين وحسب، بل أيضاً نتيجة احتمالية وصولهم إلى مناصب سيادية في مرحلة ما بعد انتصار الثورة. هذا التخوّف برز بوضوح في التصريحات والتحركات الديبلوماسية خلال الأشهر الماضية، وسط نقاش متصاعد بشأن آلية احتوائهم أو إعادتهم إلى بلدانهم.
الرئيس الشرع لم ينفِ هذا الواقع، بل تبنّى لهجة تصالحية ومدافعة. ففي أول تصريح له حول الملف، في لقاء صحافي عقد منتصف كانون الثاني، قال: “هؤلاء الذين ساهموا في إسقاط نظام الأسد يستحقون المكافأة”. وأضاف أن الظروف الاستثنائية التي عاشها الشعب السوري، وتحديداً الجرائم التي ارتكبها النظام السابق، دفعت القوى الثورية إلى طلب الدعم من الخارج، ملمّحاً إلى إمكان منح الجنسية السورية لبعض المقاتلين الأجانب، في حال أثبت التزامه بالقانون والدستور الجديد.
دمج تدريجي وتجميد الامتيازات
وبعد مضي أسابيع على انتصار الثورة، أقدم الرئيس الشرع على تعيين عدد من المقاتلين الأجانب في مناصب عسكرية رفيعة، ما أثار قلقاً واسعاً في العواصم الغربية. من بين الأسماء التي جرى ااإعلان عنها: عبد الرحمن حسين الخطيب (أردني)، علاء محمد عبد الباقي (مصري)، عبد العزيز داوود خدابردي التركستاني (إيغوري)، ومولان ترسون عبد الصمد (طاجيكي)، وغيرهم ممن قاتلوا ضمن صفوف تنظيمات مثل “أجناد القوقاز” و”الحزب الاسلامي التركستاني”.
وفي مواجهة هذا التململ الدولي، نقل مصدر حكومي سوري لموقع “لبنان الكبير” أن الدولة قررت “وقف الامتيازات والترقيات التي منحت لبعض هؤلاء المقاتلين مؤخراً”، مشيراً إلى أن أي خطوات لاحقة “ستكون محكومة بالدستور والقانون، ولن تُمنح الجنسية إلا لمن يتقدّم بطلب رسمي، ويُظهر رغبة واضحة في البقاء ضمن الاطار القانوني والدستوري للبلاد”.
وأكد المصدر أن الحكومة تسعى إلى دمج تدريجي ومدروس لهؤلاء الأفراد، مع ضمان عدم تحوّلهم إلى أدوات تهديد خارجي أو داخلي، وأضاف: “سوريا لن تكون منطلقاً لأي نشاط يُقلق جيرانها أو شركاءها الدوليين”.
القرار السوري الأخير إيجابي ولكن غير كافٍ
من واشنطن، قال آرام الدوماني، أمين سر “التحالف السوري الوطني”، في تصريح لموقع “لبنان الكبير”، إن “قضية معالجة المقاتلين الأجانب تحتاج إلى وضوح كامل من الدولة السورية”. وأضاف: “هناك مخاوف حقيقية لدى الادارة الأميركية، وتبديدها يجب أن يتم من خلال آليات شفافة، لا عبر إجراءات ارتجالية”.
وبحسب الدوماني، فإن القرار السوري الأخير بوقف عملية الإدماج السريعة ومنح الرتب كان “خطوة إيجابية ذات صدى في واشنطن”، لكنه شدد على ضرورة استكمال ذلك بـ”منع منح أي مناصب حساسة لهؤلاء المقاتلين في الوقت الراهن، والاحتكام إلى الدستور لتحديد شروط منح الجنسية”.
وتابع: “كما في أي دولة، من يرغب بالبقاء عليه احترام القانون والدستور، وإذا تبيّن لاحقاً أن إخراجهم قد يسبب خطراً أمنياً، يمكن حينها النظر بإمكان إدماجهم وفق إطار قانوني منضبط. الولايات المتحدة لا تطالب بإبعادهم جماعياً، بل بعدم تمكينهم من السلطة في دولة محورية مثل سوريا”.
أما الناشط السوري الاستقصائي ورد الشامي، فأشار في حديث لموقع “لبنان الكبير”، إلى أن “المطالب الأميركية لا تتضمن إخراج المقاتلين الأجانب من سوريا، بل تركز على تحجيم أدوارهم داخل مؤسسات الدولة”.
وأوضح الشامي أن “واشنطن تبحث عن ضمانات حقيقية بأن هؤلاء المقاتلين لن يشكّلوا تهديداً للدول المجاورة أو للمجتمع الدولي، وهو ما تقول الحكومة السورية إنها قادرة على ضمانه بسهولة”.
وأضاف: “لا يسعى المقاتلون الأجانب، وفق ما نراه، إلى بناء حواضن خاصة داخل الدولة، بل يندمجون ويحترمون القوانين السورية بشكل لافت”. ولفت إلى أن “ما يُؤمل منهم هو استمرار هذا النهج، وعدم استخدام وجودهم كورقة سياسية لاحقاً”.
معضلة التوازن بين الاعتراف والخوف
على الرغم من المواقف المتباينة، يبقى التحدي الرئيسي أمام الادارة السورية الجديدة هو تحقيق توازن دقيق بين الاعتراف بدور هؤلاء المقاتلين في إسقاط النظام البائد وانتصار الثورة، والاستجابة لضغوط المجتمع الدولي – خصوصاً في ظل الحاجة الملحّة الى رفع العقوبات وتثبيت مسار إعادة الإعمار.
فهل ستتمكن دمشق من ضبط إيقاع هذا الملف من دون خسارة ثقة حلفائها المحليين أو إثارة مخاوف شركائها الدوليين؟ الإجابة ستتضح في النصوص النهائية للدستور المنتظر، وفي الخيارات التي ستتخذها القيادة السورية في الأشهر المقبلة.


