أوروبا ترفع العقوبات عن سوريا … حسابات استراتيجية ورهانات اقتصادية

ماهر الحمدان

أعلن وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي عن رفع شامل للعقوبات المفروضة على سوريا باستثناء المتعلقة بشخصيات نظام الأسد، منهين بذلك فصلاً طويلاً من العزلة الاقتصادية والسياسية التي خيّمت على دمشق منذ اندلاع الثورة عام 2011. هذا القرار يأتي في أعقاب انهيار نظام الأسد البائد في كانون الأول 2024، وصعود حكومة جديدة تمثل تطلعات الثورة وتحظى بشرعية داخلية ودولية متنامية.

الإعلان الأوروبي، الذي جاء بعد لقاء رسمي بين الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والرئيس السوري الجديد أحمد الشرع في قصر الاليزيه يوم 7 أيار، يُعدّ بمثابة إعادة تموضع جذري للسياسات الأوروبية في الشرق الأوسط، ويفتح الباب أمام تحولات اقتصادية وإستراتيجية عميقة قد تعيد رسم ملامح ما بعد الثورة في سوريا.

خلال مؤتمر صحافي مشترك مع نظيره السوري، لم يترك ماكرون مجالاً للشك: “سأبذل قصارى جهدي لإلغاء العقوبات المفروضة على سوريا. لقد آن أوان طيّ صفحة الماضي”. التصريح الذي بدا مستفزاً لبعض شركاء باريس الأوروبيين في البداية، سرعان ما تحوّل إلى موقف أوروبي موحّد بعد سلسلة من المشاورات المكثفة خلف الأبواب المغلقة.

العقوبات الأوروبية على سوريا: عقد من العزلة

بدأت العقوبات الأوروبية على سوريا في أيار 2011، كردّ فعل مباشر على قمع النظام السوري للاحتجاجات الشعبية التي اندلعت في آذار من العام ذاته. وشملت العقوبات، التي تم تجديدها سنوياً، تجميد أصول مئات الشخصيات والكيانات المرتبطة بالحكومة السورية، وفرض قيود على التجارة والاستثمار، وحظر على تصدير معدات وتقنيات يمكن استخدامها في القمع الداخلي. كما حظرت العقوبات واردات النفط السوري، ومنعت التعامل مع البنك المركزي السوري، وقيّدت إمكان وصول دمشق إلى النظام المالي العالمي، بما في ذلك نظام “سويفت”. على الرغم من إدخال بعض الإعفاءات الإنسانية في السنوات اللاحقة، إلا أن هذه الاجراءات مجتمعة عمّقت عزلة البلاد ودفعت الاقتصاد السوري إلى حافة الانهيار، ما جعلها من بين أشد أنظمة العقوبات صرامةً التي فرضها الاتحاد الأوروبي في تاريخه الحديث.

من العزلة إلى الاندماج

رفع العقوبات الأوروبية يعيد سوريا إلى المشهد الاقتصادي العالمي، ويمنحها فرصة فريدة لإعادة بناء اقتصادها المنهار. وتشمل هذه العقوبات، التي جُمّدت بموجب القرار الجديد، قطاعات حساسة أبرزها النظام المصرفي، وخدمة “سويفت” للتحويلات البنكية، إضافة إلى تحرير مئات الملايين من الدولارات من الأصول المجمّدة التي كانت تحتجزها بنوك أوروبية. ويقول الدكتور أديب صالح، خبير الاقتصاد لموقع “لبنان الكبير”: “نحن أمام لحظة تحول حقيقية. التحرر من قيود العقوبات يعيد لسوريا مفاتيح الوصول إلى النظامين المالي والتجاري العالميين، ويضع حداً لاعتمادها الحصري على موسكو وطهران وبكين، وهو ما كان مصدر قلق كبير في بروكسل وواشنطن.”

ويتابع: “رد الفعل في الأسواق السورية لم يتأخر. الليرة السورية التي فقدت أكثر من 99% من قيمتها منذ 2011، سجلت خلال الساعات الماضية تحسناً تجاوز 25% مقابل الدولار في السوق الموازية، في مؤشر أولي على عودة الثقة. كذلك، بدأت وزارة النفط السورية بإعادة تفعيل عقود تصدير خام كانت مجمّدة منذ سنوات، في محاولة للافادة السريعة من الانفتاح الأوروبي”. إذا ما تم تفعيل صادرات النفط مجدداً، فإن سوريا ستتمكن من تأمين موارد مالية ضرورية لإعادة إعمار بنيتها التحتية المدمرة، يوضح صالح.

إعادة الإعمار: فرصة بمئات المليارات

الرهان الأوروبي يبدو أنه يتجاوز مجرد تخفيف عبء إنساني أو تطبيع سياسي؛ إنه رهان على سوق إعادة إعمار تُقدّر قيمتها بنحو 400 مليار دولار، وفق تقديرات المجلس الأطلسي. رفع العقوبات يسمح الآن للشركات الأوروبية – وربما حتى الأميركية – بالدخول في المنافسة على عقود ضخمة في مجالات الطاقة والبنية التحتية والنقل والإسكان، خصوصاً في ظل مؤشرات واضحة على التزام الحكومة السورية الجديدة بالشفافية والانفتاح القانوني والاقتصادي.

وإن كان بعض التحديات ما يزال قائماً، فإنه لم يعد بالحدة التي طبعت المرحلة السابقة. فالنظام الجديد أبدى استعداداً للتعاون مع المؤسسات الدولية، وتبنّى حزمة أولية من الاصلاحات القانونية والرقابية، ما عزز ثقة الفاعلين الاقتصاديين والجهات المانحة. وعلى الصعيد الإنساني، يُتوقع أن يؤدي رفع العقوبات إلى فتح ممرات أكثر سلاسة للمساعدات، ويمنح الجهات الفاعلة مزيداً من المرونة في إيصال المواد الأساسية – لا سيما الغذاء والدواء والوقود – إلى المناطق التي عانت طويلاً من التهميش والتجويع المُمنهج خلال عهد النظام السابق.

عودة أوروبا إلى مركز القرار

استراتيجياً، فإن هذا التحول يُعيد أوروبا بقوة إلى مركز القرار في الملف السوري، بعد سنوات من الغياب والتهميش لصالح النفوذ الروسي والايراني. المبادرة التي قادها الرئيس الفرنسي تعكس طموحاً أوروبياً واضحاً لإعادة تشكيل التوازنات الاقليمية، خصوصاً في ظل انسحاب أميركي تدريجي، وتباينات خليجية بشأن أولويات المرحلة المقبلة في سوريا. وللمرة الأولى منذ أكثر من عقد، تجد باريس وبروكسل في دمشق شريكاً سياسياً جديداً منفتحاً على التعاون، ويمثل تطلعات غالبية السوريين الذين ثاروا على الاستبداد.

وفيما تحتفل دمشق بهذا الانفراج التاريخي، تتجه الأنظار إلى الداخل السوري، حيث تقع على عاتق الحكومة الجديدة مسؤولية ترجمة هذا الزخم الديبلوماسي إلى مسارات عملية في الإعمار والتنمية والاستقرار. رفع العقوبات لا يعني نهاية المشكلات، لكنه يمثل بداية لمسار ديبلوماسي واقتصادي قد يُعيد سوريا إلى موقعها الطبيعي على الخريطة الدولية. وإذا ما أحسنت دمشق استثمار هذه اللحظة، فقد يتحول القرار الأوروبي إلى نقطة انعطاف تُعيد التوازن للمنطقة، وتمنح السوريين – أخيراً – أفق مستقبل مختلف طال انتظاره.

شارك المقال