لقد شهدت العلاقات بين إيران وفنزويلا تقدماً ملحوظاً في السنوات الأخيرة في مجالات عدة، خصوصاً في عهد الرئيس الإيراني السابق أحمدي نجاد. أما اليوم فتعود إلى الواجهة مع وصول الرئيس إبراهيم رئيسي إلى الحكم ومحاولته “تهدئة المتشددين وتمييز نفسه عن سلفه”، بحسب تحليل لموقع “Responsible State Craft” الإلكتروني الأميركي. فكيف يترجم هذا التقدم وما هي آفاقه؟
وفقاً للتحليل، يظهر هذا التوطيد في العلاقات من خلال “إعلان وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبد اللهيان، منتصف الشهر الجاري أن طهران وكراكاس اتفقتا على رسم خريطة طريق للمزيد من التعاون المستقبلي بين البلدين على مدى 20 عاماً. والحقيقة أن العلاقات بين إيران وفنزويلا ليست بجديدة، وتعود إلى عهد الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد الذي ربطته علاقة وثيقة بالرئيس الفنزويلي هوغو تشافيز. ورأى أحمدي نجاد في وصول الموجة الثورية التي حدثت في أميركا اللاتينية بجبهة موحدة ضمت حركات يسارية ومعادية للولايات المتحدة إلى السلطة، قدرة على مساعدة إيران في القتال ضد واشنطن. وجمعت اللقاءات بشكل دوري أحمدي نجاد وتشافيز مع إصرار الجانبين على ضرورة تعزيز العلاقات الثنائية، وبقيت هذه النقطة من السمات الرئيسية التي طبعت سياسة أحمدي نجاد الخارجية، إذ ظهرت المكانة الخاصة للعلاقات بوضوح، خصوصاً بالنسبة إلى رئيس إيراني يؤكد على ضرورة تعزيز العلاقات مع دول حركة عدم الانحياز.
علاقات متذبذبة
ومع ذلك، لم تكن الحال كذلك على الدوام بين البلدين. فعندما تولى حسن روحاني منصبه عام 2013، غيّر مسار السياسة الخارجية الإيرانية لمصلحة تركيز إدارته المعتدلة على التخفيف من حدة التوترات مع الغرب، وفضّل روحاني المحادثات مع الولايات المتحدة والتعاون مع أوروبا. وبالتالي، تراجع مستوى علاقات طهران مع كاراكاس ودول أميركا اللاتينية الأخرى التي كانت لا تزال معادية لأميركا مقارنة بالوضع في عهد أحمدي نجاد. وهذا دفع العديد من السياسيين الإيرانيين المناهضين للولايات المتحدة إلى انتقاد إدارة روحاني واتهامها بتفويت الفرصة التي توفرها العلاقات الوثيقة مع دول أميركا اللاتينية، لإيران.
لكن بعد انسحاب دونالد ترامب من الاتفاق النووي الإيراني عام 2018 وفرض عقوبات أميركية بشكل غير مسبوق على إيران، وجدت طهران نفسها بمواجهة مشكلات خطيرة في تصدير نفطها وبيعها. وفي الوقت عينه، ومع تصاعد الأزمة الاقتصادية وأزمة الوقود في فنزويلا، قرر المسؤولون الإيرانيون إرسال العديد من الصهاريج المحملة بالبنزين والمشتقات النفطية إلى البلد المتعطش للوقود. وتشير الإحصاءات الرسمية إلى إرسال إيران عدة ناقلات محملة بأكثر من 1.5 مليون برميل من البنزين ومشتقات النفط الخام إلى فنزويلا. علاوة على ذلك، افتتحت الجمهورية الإسلامية في ظل أزمة نقص الغذاء في البلد الخاضع للعقوبات، سلسلة من المتاجر الكبرى في فنزويلا قبل بضع سنوات وهي تعج بمنتجات إيرانية الصنع.
لكن بالنظر إلى أن إيران وفنزويلا تعملان في ظل عقوبات أميركية مشددة، قد يتعين على كاراكاس أن تدفع للإيرانيين بالذهب مقابل ما تحتاج إليه. وفي هذا السياق، قال سفير إيران إلى فنزويلا من 2001 إلى 2006، أحمد سبحاني، في مقابلة مع وسائل إعلام إيرانية محلية مؤخراً، إن إيران خاضعة لعقوبات وقد تحاول الالتفاف عليها بطرق مختلفة ومن المحتمل أن تأخذ الذهب أو أي شيء آخر مقابل النفط أو أي شيء آخر تبيعه. وبالنسبة إلى سبحاني المتشدد، لا خطأ في تلقي الأموال من فنزويلا، سواء على شكل الذهب أو اليورو أو أي عملات أخرى يمكن لإيران استخدامها لشراء أشياء أخرى أو تلبية احتياجاتها. ويتفاخر السياسيون المتشددون في طهران بأن التجارة مع فنزويلا تسمح بدخول “الفناء الخلفي الأميركي”.
وفي 12 أيلول، اعتبر تقرير لوكالة أنباء “فارس” التي يديرها الحرس الثوري، أن الناقلات الإيرانية المبحرة إلى فنزويلا تمثل خطوات إيرانية في الفناء الخلفي للولايات المتحدة. وتشهد العلاقات بين إيران وفنزويلا تجديداً وتوطيداً في وقت لا تكتفي فيه الحكومة الجديدة في طهران، على عكس حكومة روحاني المعتدلة، بعدم الترحيب بعلاقات أكثر دفئا مع الغرب، بل تعطي فيه الأولوية لـ “تحييد آثار العقوبات” من خلال استراتيجية رئيسية واضحة. وكان وزير الخارجية حسين أمير عبد اللهيان قد وعد في 22 آب المشرعين المتشددين في البرلمان الإيراني بالسعي والعمل لتقليص تأثير العقوبات الأميركية، لكن يبقى أن ننتظر إمكان حدوث ذلك بالتعاون مع فنزويلا. لذلك، من الواضح أن علاقات طهران الوثيقة مع كاراكاس تتناسب مع الإطار الأوسع لاستراتيجية المسؤولين الإيرانيين المعادية للولايات المتحدة. وعدا عن ذلك، يحتاج إليها الرئيس الإيراني الجديد إبراهيم رئيسي لأنه يريد تأسيس هوية مستقلة عن روحاني في ما يتعلق بالسياسة الخارجية، خصوصاً أنه غالباً ما ينأى بنفسه عن خطة العمل الشاملة المشتركة وعن سياسة روحاني المتمسكة بتوطيد العلاقات مع الغرب”.
عن خريطة التعاون
وبالعودة إلى خطة التعاون بين إيران وفنزويلا، كان عبد اللهيان قد أعلن خلال مؤتمر صحافي مشترك مع نظيره الفنزويلي في 18 تشرين الاول، عن محادثات مهمة وعن زيارة قريبة للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو إلى طهران، بحسب وكالة “مهر”. كما لفت إلى أن مجالات التعاون بين البلدين تراوح من الفنية إلى الاقتصادية والتجارية والعلمية والتكنولوجية والتعدين وصولاً إلى الطاقة في السنوات الأخيرة للاتفاقية. وانتقد عبد اللهيان السياسة الأميركية تجاه الشعب الفنزويلي واصفاً إياها بـ”غير البناءة”، بينما تجد إيران في فنزويلا “فرصة لتطوير التعاون الثنائي”. كما شدد وزير الخارجية الفنزويلي فيليكس بلاسينسيا غونزاليس على الصداقة الاستراتيجية بين البلدين والشعبين وعلى التعاون الثنائي الذي يصب لمصلحة البلدين”.


