قمة القرار… لا سلاح خارج الدولة

جو رحال

في لحظة سياسية بالغة الدقة إقليمياً وداخلياً، شكّلت قمة بعبدا التي جمعت رئيس الجمهورية اللبنانية العماد جوزاف عون ورئيس دولة فلسطين محمود عباس محطة مفصلية في مسار العلاقات اللبنانية-الفلسطينية. هذا اللقاء لم يكن مجرّد مناسبة بروتوكولية، بل حمل مؤشرات واضحة على بدء مرحلة جديدة من التنسيق المباشر والعمل المشترك، تستند إلى الثوابت الوطنية والقومية، من دعم القضية الفلسطينية إلى حماية السيادة اللبنانية وحصر السلاح بيد الدولة.

البيان المشترك الصادر عن القمة عكس وحدة الموقف حيال مجمل القضايا المصيرية، وفي طليعتها تأكيد التمسك بحق الفلسطينيين في إقامة دولتهم المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، استناداً إلى قرارات الشرعية الدولية ولا سيما القرار 194، الذي يضمن حق العودة، والقرار 242 الذي يدعو إلى الانسحاب من الأراضي المحتلة. وقد شدّد الطرفان على رفض قاطع لأي شكل من أشكال التهجير أو التوطين، مجددين التزامهما بمبادرة السلام العربية التي أقرتها قمة بيروت عام 2002.

القمة لم تكتفِ بالمواقف السياسية، بل لحظت خطوات عملية أولها إعلان تشكيل لجنة لبنانية-فلسطينية مشتركة، ستتولى متابعة أوضاع اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، ومعالجة القضايا المتعلقة بالإقامة، حرية التنقل، الحقوق الاجتماعية، وتحسين ظروف العيش داخل المخيمات، ضمن احترام السيادة اللبنانية والقوانين المحلية. كما ستعمل اللجنة على وضع آليات عملية لضبط السلاح غير الشرعي، وخصوصاً في المخيمات التي تشهد أحياناً حالات تفلت أمني تثير قلق الدولة اللبنانية.

وفي موقف يعزز مسار التهدئة وبناء الثقة، أكد الرئيس عباس أن الفلسطينيين في لبنان هم “ضيوف مؤقتون”، لا يسعون إلى الإخلال بالقانون أو حمل السلاح، بل يرفضون استخدام الأراضي اللبنانية لأي نشاط عسكري خارج سلطة الدولة. كما أبدى استعداداً كاملاً للتعاون مع الجهات اللبنانية الرسمية لضبط الفصائل الخارجة عن إطار منظمة التحرير، وتفكيك أي مظاهر مسلحة تهدد الأمن اللبناني أو تسيء الى صورة النضال الفلسطيني.

من جهته، جدّد الرئيس عون موقف لبنان الثابت برفض التوطين وبدعمه لحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، مؤكداً أن ما يجري في قطاع غزة من اعتداءات إسرائيلية “يمثّل جريمة تاريخية بحق الإنسانية”. ودعا المجتمع الدولي، لا سيما الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا، إلى الضغط الجاد على إسرائيل لوقف العدوان وتطبيق اتفاق وقف إطلاق النار المبرم في تشرين الثاني 2024، واستكمال تنفيذ القرار 1701 الصادر عن مجلس الأمن عام 2006.

تكتسب هذه القمة أهمية مضاعفة في ظل التحديات الأمنية التي يواجهها بعض المخيمات الفلسطينية، ووسط مساعٍ إقليمية لتصفية القضية الفلسطينية عبر مشاريع التهجير أو التوطين، ما يجعل التفاهم اللبناني-الفلسطيني أمراً حيوياً للحفاظ على الاستقرار الداخلي وتحصين الموقف العربي الموحد.

وقد ترافقت هذه التطورات مع مؤشرات مشجعة على دعم دولي للحل القائم على العدالة وحقوق الإنسان، لا سيما بعد المواقف الأوروبية المتقدمة مؤخراً بشأن وقف تسليح إسرائيل، وفتح تحقيقات أممية حول الانتهاكات في غزة، وهو ما يجعل من قمة بعبدا حلقة متقدمة ضمن إطار ديبلوماسي أكثر شمولاً يتفاعل في الإقليم.

ختاماً، قمة بعبدا ليست لحظة ظرفية، بل إعلان نوايا لمعادلة متكاملة: لا وطن بديل، لا سلاح خارج الشرعية، ولا أمن خارج مظلة الدولة. إنها لحظة تأسيسية لمسار سياسي وإنساني وأمني جديد، يعيد تنظيم العلاقة بين الدولة اللبنانية والوجود الفلسطيني على أرضها، بروح السيادة والاحترام المتبادل، ومن منطلق الشراكة في وجه عدو مشترك، لا خصومة داخلية.

شارك المقال