لم تكن زيارة الرئيس الفلسطيني محمود عباس إلى بيروت مجرد مناسبة بروتوكولية أو زيارة مجاملة، بل مثّلت إعلاناً واضحاً عن تحوّل استراتيجي في العلاقة بين الدولة اللبنانية والفصائل الفلسطينية، وبداية فعلية لنهاية ما يُعرف ب “اتفاق القاهرة” الموقع عام 1969، الذي شرّع الوجود المسلح الفلسطيني على الأراضي اللبنانية.
عصر “بندقية للإيجار” انتهى
قالت أوساط سياسية رفيعة لموقع “لبنان الكبير” إن عهد السلاح الفلسطيني في لبنان لم يبدأ لكي ينتهي الآن. هذا السلاح، كما قال الرئيس الفلسطيني استُخدم لخدمة أجندات النظام السوري، وبعد عام 2005، بات يُستغل لحسابات النفوذ الايراني. وفي كثير من الأحيان، كان بمثابة “بندقية للإيجار”، واستُخدم في الصراعات الفلسطينية – الفلسطينية، وأيضاً الفلسطينية – اللبنانية، ما أدى إلى أثمان باهظة دفعها الشعبان.
هذا ما أدركته السلطة الفلسطينية، وعلى هذا الأساس، قررت معالجة هذا الملف. وهذا القرار ليس جديداً، فقد أعلنه الرئيس محمود عباس عام 2013 من قصر بعبدا، إلا أن الظروف حينها حالت دون تنفيذه.
أما اليوم، فالظروف الداخلية والخارجية مختلفة، وهو ما يساعد على تلقف هذا القرار وتحويله إلى واقع. فهل يعني ذلك أن الترجمة ستكون فورية وكاملة؟ بالتأكيد لا، لكنه مسار بدأ بالفعل وسيسير نحو خواتيم جدية ونهائية.
هل سيكون لهذا التطور تأثير مباشر على سلاح “حزب الله”؟ ربما لا بصورة مباشرة، لكن سيكون له تأثير على القرار الوطني الذي ينص على حصرية السلاح في يد الدولة اللبنانية فقط، أياً يكن الطرف الذي يحمله. هذا التطور يشكل اتجاهاً داعماً لعهد الرئيس جوزاف عون، ويساهم في تكريس مبدأ حصرية السلاح، وفي الوقت نفسه، يحرج أي جهة تصر على البقاء خارج شرعية الدولة، وتتمسك بسلاح غير شرعي.
الموضوع بالغ الأهمية، وتم التمهيد له من خلال اتصالات ولقاءات سبقت الزيارة، وسيتابع عبر آلية تُعتمد من خلال لجنة مشتركة ستشكل بين الطرفين.
لقاءات عباس من عين التينة إلى السراي
في عين التينة، استقبل رئيس مجلس النواب نبيه بري الرئيس الفلسطيني والوفد المرافق، وتخلل اللقاء بحث في تطورات الأوضاع العامة، والعدوان الإسرائيلي المستمر على غزة، إضافة إلى العلاقة اللبنانية – الفلسطينية، وضرورة معالجة ملف السلاح خارج المخيمات.
ثم انتقل عباس إلى السراي الحكومي، حيث استقبله رئيس الحكومة نواف سلام، بحضور شخصيات أمنية وديبلوماسية من الطرفين. وشدد الطرفان على المبادئ التالية:
– اعتبار الفلسطينيين في لبنان ضيوفاً يلتزمون بالقوانين اللبنانية.
-رفض التوطين والتمسك بحق العودة.
-حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية، بما يشمل المخيمات.
-تشكيل لجنة تنفيذية مشتركة لمتابعة تطبيق هذه التفاهمات.
-تحسين أوضاع اللاجئين إنسانياً واجتماعياً من دون المساس بسيادة الدولة.
-دعم وقف إطلاق النار في غزة، وتمكين السلطة الفلسطينية من إدارة القطاع، وإعادة إعماره.
قصر بعبدا: السلاح الفلسطيني إلى نهايته
في قصر بعبدا، حيث اجتمع الرئيس عون بالرئيس عباس، صدر بيان مشترك يُعد بداية تحوّل تاريخي. فقد شدد على حصرية السلاح بيد الدولة، وأعلن أن “زمن السلاح الخارج عن سلطة الدولة اللبنانية قد انتهى”، وهي عبارة بالغة الدلالة في ظل متغيرات إقليمية كبرى بدأت مع انطلاق عملية “طوفان الأقصى”.
رأي بري حاسم
يُردد ديبلوماسي عربي في مجالسه الخاصة أن الرئيس بري حسم موضوع السلاح في أحاديثه معه، مشيراً إلى أن رأي بري هو أن عهد السلاح انتهى ولم يعد له دورٌ رادع في لبنان. وحسم بري موضوع السلاح جنوب الليطاني، أما موضوع شمال الليطاني فتركه لحوار وطني.
سقوط نظرية السلاح الرديف
ما ورد في البيان اللبناني – الفلسطيني يُعد، بحسب وزير سابق، “أوّل إعلان فلسطيني رسمي بإسقاط معادلة السلاح الرديف التي شرّعها اتفاق القاهرة سنة 1969″، مشيراً إلى أن “الفصائل الفلسطينية اليوم تدرك أن أي وجود عسكري في المخيمات لم يعد يُخدم لا القضية الفلسطينية ولا أمن لبنان، بل يُستخدم كذريعة في صراعات إقليمية لم تعد تعبّر عن أولويات الفلسطينيين”.
من طهران إلى دمشق
في موازاة هذا التحول، تراجع النفوذ الايراني بعد تآكل أدواته في المنطقة. سوريا بدورها دخلت حقبة جديدة بعد انهيار نظام بشار الأسد، وتسلم أحمد الشرع الحكم، وإطلاقه وعوداً بإصلاحات داخلية وتحييد سوريا عن الصراعات الاقليمية، ما مهّد لبدء عملية تطبيع دولية معها.
“حزب الله”.. التهدئة المفروضة
أما “حزب الله”، وبعد حرب استنزاف استمرت شهوراً مع إسرائيل إثر “طوفان الأقصى”، وقع اتفاق تهدئة برعاية دولية، عقب تكبده خسائر فادحة في الأرواح والعتاد. وبحسب ديبلوماسي لبناني سابق، فإن الحزب “لم يعد قادراً على خوض حروب إقليمية، وبات سلاحه الداخلي عبئاً على توازن لبنان”.
ما بعد الطوفان
زيارة محمود عباس إلى بيروت، وتزامنها مع مشهد إقليمي متغيّر، تشير إلى أن الطوفان لم يقتصر على غزة، بل اجتاح منظومة تحالفات وسلاح ومقاربات قديمة. “اتفاق القاهرة” وُلد في زمن لم يعد قائماً، وانتهى اليوم بقرار سياسي فلسطيني واضح، ودعم لبناني وغطاء إقليمي ودولي.


