كأنّ “حزب الله” يخوض ما بعد “حرب الإسناد” مع إسرائيل، لا في الميدان، بل في الداخل، وتحديداً في بيئته التنظيمية والسياسية. فنتائج الانتخابات البلدية في الجنوب لم تكن مجرد مؤشرات على توزع الأصوات، بل بمثابة أشعة سينية كشفت تصدعات جدية في بنية الحزب، وتمردات محلية على القيادة، وصراع أجنحة يتغذّى من فراغ أحدثه غياب الأمين العام حسن نصر الله بعد اغتياله في غارة إسرائيلية. هذا الغياب، الذي حاولت القيادة تعويضه بهدوء مؤسساتي، لم ينجح حتى الآن في لملمة الصفوف، بل بدا كأنه أطلق العنان لمعارك خفية خرجت إلى العلن في صناديق الاقتراع.
لم تعد “الطاعة” مفهوماً مطلقاً، ولا “الماكينة” ضمانة للفوز. ففي أكثر من بلدة ومدينة جنوبية، تمردت العائلات، وشطّب الحزبيون، وتمرّد المستقلون، وتدخل المتموّلون، وخرج بعض المحسوبين على “الخط” عن الخط. كان الانفجار صامتاً… لكنه مدوٍ.
حين “غدر الحزب بالحركة”
في زوطر الغربية، لم يكن المشهد تقليدياً. إذ خرجت من عباءة الثنائي ثلاث لوائح: واحدة مدعومة رسمياً، وأخرى محسوبة بالكامل على “الحزب”، وثالثة من مستقلين معظمهم في الخط السياسي نفسه. ما حدث فعلياً أن الحزب قام بتشطيب مرشحي “أمل” داخل اللائحة المشتركة، فخسروا مقاعدهم لصالح مرشحي الحزب وبعض المستقلين المدعومين منه، لتتحول النتيجة إلى انقلاب انتخابي هادئ على الحركة، التي كانت تقليدياً تعتبر زوطر أحد معاقلها.
تسوية مفخخة وصراع نواب
أما في معروب، فقد برز الصراع بين نائبين من الحزب: محمد فنيش وحسن عز الدين. رفض الحزب الذهاب إلى تسوية انتخابية على الرغم من أنها كانت بمتناول اليد، وفضّل خوض المعركة بلائحة مفخخة تضم اسم علي موسى فنيش. وتشير المعطيات إلى أن السبب الحقيقي كان غضب النائب عز الدين من رمي الحزب لعائلته نحو تحالف مع حركة “أمل”، واستبدالها بعائلة خميس. عشية الانتخابات، جرت محاولة مصالحة شكلية بين النائبين، لكن النتائج جاءت لتؤكد أن الحزب صوّت لعز الدين ثم أسقطه.
انتفاضة مموّلة وصراعات مراكز قوى
تحولت الانتخابات البلدية في بلدة سجد – قضاء جزين، إلى ساحة مكشوفة لتصفية حسابات داخلية وخارجية، خرجت عن الاطار المحلي لتكشف صراع نفوذ وتموضع بين شخصيات شيعية وازنة داخل “الثنائي الشيعي”، وقوى نافذة لعبت دوراً مباشراً في خلط أوراق المعركة.
ففي مقابل لائحة “التنمية والوفاء”، المدعومة رسمياً من “حزب الله” وحركة “أمل”، برزت لائحة ثانية ترأسها رئيس بلدية سجد منذ العام 2006، وهو شخصية معروفة بانخراطها الطويل في منظومة العمل البلدي ضمن الحزب، لكنها هذه المرة تلقّت دعماً غير تقليدي من متمول بارز من البلدة، ورئيس مجلس الجنوب ورئيس الاتحاد اللبناني لكرة القدم هاشم حيدر.
مصادر متابعة كشفت أن حيدر، الذي لم يُعيّن رئيساً للماكينة الانتخابية لحركة “أمل” بقرار من الرئيس نبيه بري، قرّر الانتقام “سياسياً” من خلال محاولة إضعاف لوائح الثنائي في عدة بلدات جنوبية. وعلى الرغم من أنه لم ينجح في معظم المحطات، إلا أن المعركة في سجد وفّرت له البيئة المثالية للانقضاض، من خلال دعم البلدية السابقة التي كانت تتلقى مشاريع وتمويلاً مباشراً منه، الأمر الذي عزز نفوذها المحلي.
الدعم الذي تلقته هذه اللائحة لم يكن من حيدر وحسب، بل أيضاً من القيادي في “حزب الله” محمد حسين ناصر الدين، الذي لعب دوراً محورياً في التمرد على قرار القيادة المركزية، بسبب عدم تكليفه إدارة الملف البلدي في البلدة. وتشير المعلومات إلى أن ناصر الدين نسّق بصورة مباشرة مع حيدر، وساهم في تعزيز التحالف مع المتمول سمير حسن، وهو حليف سابق لـ “حزب الله”، بات اليوم في موقع الخصومة.
وبحسب المصادر، فإن اللائحة المنافسة التي مثّلت “العائلات” حظيت بدعم مالي فاق النصف مليون دولار، ما ساهم في تأمين فوزها الكامل على حساب لائحة “التنمية والوفاء”، في مشهد اعتُبر من أكثر النتائج السياسية حساسية في الانتخابات البلدية الجنوبية، ليس لكونه خرقاً للائحة رسمية وحسب، بل لأنه كشف عن حجم التداخل بين التمويل السياسي، والولاءات التنظيمية، وتصفية الحسابات بين رموز البيئة الشيعية نفسها.
ارتباك تنظيمي وقرارات متوقعة
تشير مصادر مطلعة إلى توجه داخل قيادة الحزب لاتخاذ إجراءات تنظيمية حاسمة في بعض القرى، تصل إلى حدود العزل أو تعليق العمل البلدي للفائزين الخارجين عن الطاعة.
في المقابل، سارعت حركة “أمل” إلى محاولة احتواء الخسائر عبر رسائل إنمائية، كما حصل في سجد حيث أُعلن عن بدء تعبيد طريق سجد – كفررمان بتمويل من الرئيس بري، كنوع من الردّ السياسي والإنمائي في آن: من يريد الانماء عليه المرور بطريق المصيلح.
ما بعد الانتخابات: إلى أين يتجه الحزب؟
الرسالة التي أفرزتها صناديق الجنوب واضحة: البيئة الشيعية لم تعد صامتة، والحزب لم يعد كتلة واحدة متراصة، والقيادة الحالية التي تحاول إدارة مرحلة ما بعد نصر الله أمام تحدٍّ مزدوج: إعادة الإمساك بالميدان، ومنع تمدد التمرد السياسي تحت عناوين عائلية وتنموية.
إنها انتخابات بلدية، نعم، لكنها حملت في طياتها أكثر من مؤشر: خلخلة في التراتبية الداخلية، صراع مراكز قوى، تشظّي الولاءات، وتآكل في القدرة على فرض الخيارات من فوق. والنتيجة؟ “حزب الله” اليوم في مواجهة قاعدته، قبل أن يكون في مواجهة خصومه.


