هتف جمهور تابع لـ “حزب ايران/ حزب الله” ضد رئيس الحكومة نواف سلام بعد دخوله المدينة الرياضية، يوم الجمعة الماضي، وأتبع ذلك بالهتاف “لبيك يا نصر الله” الذي شهد المكان نفسه تشييعه في 23 شباط الماضي. وعلى جاري عادته أصدر “الحزب” توضيحاً يُفهم منه أن الزعران الذين كلّفهم بالهتاف تصرفوا من تلقائهم، وبعدما أدّوا مهمتهم فإنه يتبرّأ منهم. وهكذا فعل في وقائع عدة سابقة كغزوات الموتوسيكلات ومواجهات طريق المطار وغيرها. لكن هناك مَن وجّه الزعران لمهاجمة رئيس الحكومة، ولا بدّ أن لدى “الحزب” أسباباً لا يُفصح عنها بالخطاب السياسي أو حتى عبر “وكلائه” في مجلس الوزراء، ويفضّل ايصال رسائله بهذه الطريقة الوضيعة. وأيّاً تكن “الأسباب” فإنها لا تبعد عن الهمّ الذي يؤرق “الحزب” هذه الأيام، أي نزع سلاحه أو تسليمه أو التخلّي عنه… وفي ضوء ذلك يكون الهتاف ضد نواف سلام هتافاً ضد جوزاف عون أيضاً بصفته المكلّف محلياً ودولياً بـ “حصر السلاح في يد الدولة”، لكن “الحزب” يستصعب حالياً التعرّض لرئيس الجمهورية ويفتقد وجود رئيس حكومة يستخدمه في اللعب على الرئاسات وفي ما بينها.
كلّ الفئات اللبنانية معنيّةٌ، قبل الأطراف الخارجية كافة، بمسألة “حصرية السلاح”، والمؤكد أن الأجهزة الأميركية والفرنسية وبالتالي الإسرائيلية محاطة علماً بمجريات الحوار السرّي المفترض أنه دائرٌ بين الجيش اللبناني وقيادة “الحزب”، أما الداخل اللبناني فلا علم له بما يجري وما إذا كانت هناك ملامح خطة تشمل السلاح في كل المناطق أو جدول زمني، لكن لا خيار أمامه سوى الوثوق بالجيش، ليس فقط لأن الجيش مُطالَب بتنفيذ القرار 1701 واتفاق وقف اطلاق النار، بل لأن الدعم الخارجي الذي يتلقّاه الآن ويأمل في أن يتلقّاه لاحقاً بات رهن نجاحه في هذه المهمة. أما “الحزب” الذي فاوض بشكل غير مباشر ووافق على كل شروط اتفاق وقف النار، بما فيها تسليم السلاح، فبدأ غداة وقف النار ولا يزال يتلاعب بالأجندة.
وعدا أن بعضاً من قادته يصف الذين يترقّبون نزع سلاحه بـ “إنهم واهمون”، أعاد “الحزب” تنظيم شارعه ليبقي الخوف سائداً من أنه يستطيع العودة الى الاغتيالات والترهيب، كما استطاع تهدئة نقمة بيئته ببعض المدفوعات التي لم ترقَ الى تعويض الخسائر، وبالتالي فهو يأمل في أن يحافظ على شدّ عصب جمهوره واستخدم تعذّر اجراء الانتخابات البلدية في أجزاء كبيرة من الجنوب لإبقاء الحال على حالها بترجيح تزكية لوائح المرشحين التي دعمها بعدما شكّلها وعلّبها. أما بالنسبة الى السلاح فإنه يتّبع استراتيجية المماطلة آملاً في معطيات داخلية أو خارجية قد تطرأ، ومتخذاً من استمرار الاحتلال والاعتداءات ذريعة مشروعة تبرّر احتفاظه بسلاحه، ومعوّلاً على تأييده العلني للنهج الديبلوماسي الذي تمارسه الدولة وسيلة لإثبات “ايجابية” تساعده في تغطية سلبيته المؤكدة حيال تسليم السلاح، رغم علمه بأن ثمة عواقب صعبة ستنجم عن عدم تعاونه مع الدولة.
لا يريد “الحزب” تسليم سلاحه مع أنه يعرف جيداً تلك العواقب، لكنه يعتقد أن إشكالية السلاح جدلية، أي أنه لا يزال يراهن على اقناع الدولة بالتمييز بين جنوب الليطاني وشماله، وباعتبار هذا السلاح رصيداً لها في مواجهة العدو الإسرائيلي. يتجاهل “الحزب” أن الحرب في جنوب لبنان كما في غزة وحتى في الضفة الغربية لم تقلب موازين القوى لمصلحة العدو والدول الداعمة له فحسب، بل غيّرت أيضاً التوازنات الجيوسياسية لمصلحة صيغة جديدة قيد التبلور، ولا يستطيع لبنان أن يواجهها أو أن ينعزل عنها فقط من أجل إرضاء “الحزب” أو إرضاء إيران. أما المراهنة على مكاسب من المفاوضات الأميركية- الإيرانية فتعني في أفضل الأحوال تمكين طهران من مواصلة اعتبار لبنان كله (وليس “حزبها” وحده) موقعاً متقدماً لها على المتوسط وورقة مساومة في يدها إسوة بورقتَي الحوثيين في اليمن و”الحشد الشعبي” في العراق. لكن مساومة كهذه لم تعد تنطبق على لبنان منذ فقد “الحزب” (وإيران) سيطرته على رئاستي الجمهورية والحكومة، ولم يبقَ له سوى حليفه رئيس مجلس النواب لكن من دون سيطرة على البرلمان نفسه.
وفي مسألة نزع السلاح لم يعد خافياً أن التحايل ومواصلة العرقلة والتأخير ليست سوى مجازفة بإفشال عودة الدولة، وكذلك إفشال إعادة الاعمار والخروج من الأزمة الى التعافي الاقتصادي. هذه عواقب لن ينجو “الحزب” من مسؤوليتها داخلياً، مهما عوّل على بيئته وعلى ترهيبها أو شحنها مذهبياً. لا قيمة لادّعاءات “الحزب” بأن سلاحه ضرورة لحماية لبنان أو لردع العدو أو لمقاومة الاحتلال، فهذه سقطت جميعاً في امتحان الحرب. وبموازاة ذلك، لا قيمة أيضاً للمساءلة شبه اليومية عما أنجزته الدولة بجهودها الديبلوماسية لإنهاء الاحتلال، فالدولة لا تتقدم في هذا المجال لأن هناك التزامات- أهمها التخلّي عن السلاح- وقّع عليها “الحزب” ويتملّص من تنفيذها، وفي المقابل يتخذ العدو من التلكؤ في تنفيذ تلك الالتزامات ذريعة لمواصلة اعتداءاته واحتلاله التلال الخمس، كما أن ذلك التلكؤ يحول دون ممارسة أي ضغط مفترض (أميركي أو فرنسي) على اسرائيل. إذاً فهي حلقة مغلقة، وإذا طال فيها الصراع فإنه سيؤدي الى جهة خاسرة هي الدولة، ولن يحقق “الحزب” أي مكسب حتى لو فكّر في الذهاب الى اشعال مواجهة داخلية.
من شأن “الحزب” أن ينظر الى انعكاسات رفع العقوبات عن سوريا، وإلى عزم الولايات المتحدة والدول الغربية والخليجية على إعطاء حكمها الانتقالي الحالي فرصةً للنجاح سياسياً وللنهوض اقتصادياً، رغم مآخذها على المرجعية العقائدية لهذا الحكم وعلى تطرّف عناصر منسوبة إليه. ستكون هناك دينامية داخلية متنامية في سوريا، وكلما زاد تدفق الأموال والاستثمارات اليها أمكن للحكم أن يتجرّأ على تطوير نفسه وعلى الاقتراب من الوسطية الوطنية بدلاً من التشبث بالإيديولوجية الدينية. لم يكن اسقاط نظام بشار الأسد هو أساس الاهتمام بسوريا، أو حتى بالشرع، بل كان إخراج إيران و”حزبها” وميليشياتها هو ما أهّل سوريا لهذا الاهتمام، ومعها إخراج روسيا أيضاً التي تفاوض الآن للاحتفاظ بموقعها القديم على المتوسط. لو سقط النظام السابق واستطاع الإيرانيون أن يبقوا بشكل أو بآخر في سوريا لما أمكن حتى مجرد التفكير في احتضان خارجي للحكم الجديد، أو برفع العقوبات. صحيح أن لبنان لا يعاني من عقوبات دولية، لكن المجتمع الدولي يعامله وكأنه بلد فرض على نفسه عقوبات ذاتية طالما أن “الحزب” خرّبه ولا يزال يعمل للإفلات من أي محاسبة داخلية.


