يدين طريق الكفاح المسلّح الفلسطيني في صعوده وقوّته بشكل أساسي إلى هزيمة حزيران 1967، إذ وجدته وأوجدته الأنظمة القومية التقدمية آنذاك كتعويضٍ لها وتغطيةٍ على مسؤوليتها في تلك الهزيمة. لذا، سهّل النظامان المصري والسوري هذا الطريق، في حين اكتفى الأردن ولبنان بالدعم اللوجيستي والتوظيف السياسي فقط.
من دون الدخول في تفاصيل أحداث الأردن عامي 1970 و1971، التي أدت إلى خروج المقاومة نهائياً إلى لبنان تحت غطاء اتفاق القاهرة (1969 ألغي عام 1987)، أي بعد أن خلق هذا الوجود السياسي والعسكري الفلسطيني سلطة موازية في لبنان اقتربت من أن تكون دولة داخل الدولة، ما سرّع اندلاع حرب أهلية كان للعامل الفلسطيني فيها الدور الأساسي وفي مسار قراراتها، إلى حين الغزو الاسرائيلي للبنان عام 1982 وإخراج منظمة التحرير منه بصورة نهائية، كما حصل في الأردن عام 1971 على يد الجيش الأردني.
السؤال المطروح الآن على المنظمات الفلسطينية التي ترفض تسليم سلاحها للدولة اللبنانية هو: إذا كان وجود السلاح الفلسطيني عام 1967 قد نجم عن هزيمة الجيوش العربية (مصر وسوريا)، فما سبب استمرار وجود هذا السلاح بعد أن مُني “السلاح البديل” بالهزيمة منذ عام 1971 وحتى الآن؟
السؤال الثاني: إذا كنتم تريدون هذا السلاح لقتال إسرائيل، فمتى قاتلتم به هذا العدو من لبنان منذ العام 1982؟
السؤال الثالث: إذا كان هذا السلاح لحماية أهل المخيمات، فماذا فعلتم به منذ مجزرة صبرا وشاتيلا، مروراً بحرب المخيمات، وصولاً إلى نهر البارد وحتى الآن؟
السؤال الرابع: إذا كان حمل هذا السلاح حقاً لكم، وعلى الرغم من وجود سلطة وجيش لبنانيين، فلماذا لم تسمحوا بحمله في غزة لغير حركة “حماس، وإن سُمح بذلك، فلماذا يكون تحت إمرتها؟
الجواب على السؤال الخامس جاء من رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، الذي لم يسمح بازدواجية السلاح في الضفة الغربية، ورأى أن لا ضرورة لأي سلاح فلسطيني في ظل السلطة اللبنانية!
منذ أن أصبح لبنان ورقة أو ساحة بيد النظامين الايراني والسوري، جرى العمل على إنهاء الحالة العسكرية الفلسطينية الرسمية (التابعة لمنظمة التحرير) لحساب الفصائل الموالية لسوريا وإيران، مع جعل لبنان ساحة إضافية للتدخلات الاقليمية في الشأن الفلسطيني، والأمثلة على ذلك كثيرة.
الخلاصة أن الوجود العسكري الفلسطيني في لبنان لم تعد له وظيفة أو دور في مواجهة إسرائيل. وما بقي من وجود مسلح تم توظيفه في الخلافات الداخلية الفلسطينية؛ فعلى سبيل المثال، تذكروا معارك عين الحلوة بين “فتح” والاسلاميين. هذا التوظيف الاقليمي للورقة الفلسطينية دفع ثمنه ويدفعه الفلسطينيون واللبنانيون على حد سواء.
بعد كل هذه التجارب المأساوية المريرة، وعلى امتداد تلك السنوات، يُفترض بالفلسطينيين عدم الانجرار إلى فخ الخيار المسلح للحفاظ على سلاح انتهى دوره منذ العام 1982. ومع الأخذ في الاعتبار صورة الوضع الحالي والظروف المعقدة التي تفرض على داعمي هذا السلاح (حزب الله) التخلي عن سلاحهم لصالح سلطة الدولة.
فليقف الفلسطينيون مع مساعي لبنان لاستعادة سيادته وعافيته، بعد أن دفع ثمن الوجود الفلسطيني المسلح على أرضه أغلى الأثمان!


