أصدرت المصلحة الوطنية لنهر الليطاني مؤخراً إنذارات خطية تطالب بإخلاء 34 مخيّماً للنازحين السوريين، مقامة بصورة غير قانونية على ضفاف النهر، ضمن نطاق محافظتي بعلبك-الهرمل والبقاع. وجاءت هذه الخطوة عقب كشف ميداني أظهر أن معظم هذه المخيمات قائم على أملاك عمومية نهرية محرّمة، بعضها يقع داخل مجرى النهر نفسه، ولا يستوفي شروط السلامة العامة والصحية.
وأوضحت المصلحة في بيان رسمي أن هذه التجمعات تُنتج نحو 2.1 مليون متر مكعب من المياه المبتذلة سنوياً، تُصرف مباشرة في النهر من دون معالجة، ما يفاقم أزمة التلوّث ويهدد الموارد المائية والصحة العامة. وبناءً عليه، تم توجيه إنذارات بالإخلاء خلال مهلة 15 يوماً من تاريخ التبليغ، مع تأكيد مراعاة “الظروف الإنسانية للنازحين”.
ودعت المصلحة مختلف الجهات الرسمية – من وزارة الداخلية والبلديات إلى المحافظين والقوى الأمنية – الى مؤازرتها في تنفيذ الاجراءات، محذّرة من أنها ستلجأ إلى الإزالة الجبرية والملاحقة القانونية بحق “مرتكبي التعديات”، في حال عدم الالتزام بالمهلة المحددة.
وفي تصريح لموقع “لبنان الكبير”، قال المدير العام للمصلحة سامي علوية: “نحن نتابع اليوم مع القوى الأمنية أكثر من 200 موقع يضم مخيمات للنازحين السوريين، معظمها على ضفاف الليطاني. بدأنا بمرحلة أولى تم فيها إحصاء مالكي العقارات، وسبق أن قدمنا أكثر من 40 شكوى جزائية بحق من أجّروا أراضيهم لجمعيات أو أفراد على ضفاف النهر”.
وأضاف: “تبين لنا وجود 34 مخيماً غير قانوني، يُديرها أشخاص يُعرفون بالشويش، يتولون إدارة المخيمات ويتقاضون بدلات مالية مقابل الخيام والماء والكهرباء وحتى تفريغ الحفر الصحية، وكأنهم يديرون فنادق صغيرة. هؤلاء تم توجيه إنذارات مباشرة إليهم لإخلاء الموقع خلال 15 يوماً، وإلا ستتم ملاحقتهم قضائياً”.
وشدّد علوية على أن “هذه الخطوة لم تأتِ من فراغ، بل نتيجة تراكمات وأزمة بيئية متفاقمة، بحيث تُفرغ يومياً شاحنات الصرف الصحي في نهر الليطاني وبحيرة القرعون، ويُلقى كمّ هائل من النفايات في مجرى النهر. هذا كله يحدث في ظل جفاف أدّى إلى انحسار المياه واتساع الضفاف، ما شجّع على تمدد هذه المخيمات نحو مجرى النهر”.
ولفت إلى أن المصلحة تقاطع منذ العام 2018 جميع الجمعيات والمنظمات التي تتولى ملف النازحين، بما فيها مفوضية اللاجئين UNHCR، متهماً إياها بـ”تضارب المصالح، والاعتداء على سيادة لبنان وبيئة النهر”. وأكد أن المصلحة هي الجهة الرسمية الوحيدة التي تدير هذا الملف وفقاً للقانون.
في المقابل، عبّر نازحون مقيمون في هذه المخيمات عن صدمتهم وخوفهم من قرار الإخلاء، في ظل غياب أي بديل سكني واضح.
يقول أبو أحمد، نازح من ريف إدلب يقيم قرب النهر منذ 7 سنوات، لموقع “لبنان الكبير”: “جاء موظف من المصلحة وقال لنا إن أمامنا 15 يوماً للمغادرة. سألته إلى أين؟ قال لا أعرف. نحن عائلة من 10 أشخاص، ولا نملك بديلاً. صحيح أن المياه ملوثة، لكننا لم نكن نملك خياراً آخر”.
أما سارة، وهي أم لثلاثة أطفال، فتسكن في مخيم عشوائي في بر الياس، وتقول: “نحن نعيش هنا منذ 5 سنوات. لا صرف صحي ولا كهرباء، لكن على الأقل لدينا سقف. الآن يريدون طردنا… أليس من المفترض أن يوفروا لنا مكاناً بديلاً؟ أولادي خائفون من النوم في العراء”.
وتردّ فاديا جمعة، وهي أحد الأشخاص الذين طالتهم الدعاوى القضائية، عبر موقع “لبنان الكبير”، موضحة أن الأرض التي تملكها في عنجر هي ملك خاص، وقد قامت بتأجيرها منذ نحو ثلاث سنوات لعدد من العائلات.
وتشير إلى أن هذه العائلات في معظمها لبنانية ومكتومة القيد، لا تملك أوراقاً ثبوتية، وتعيش في خيم يُقدّر إيجار الواحدة منها بحوالي 500 دولار، وفقاً للقدرة المادية لكل عائلة. وتنفي بصورة قاطعة أن يكون المخيم سبباً في تلويث النهر، مؤكدة وجود قنوات صرف صحي لا تصبّ في مجرى الليطاني، وأن النفايات تُلقى من سكان مجاورين، فيما لا تقوم البلدية بواجبها في النظافة.
وتقول: “لم يصلنا أي إنذار سابق، بل فوجئنا بدعوى قضائية من دون حتى إجراء كشف ميداني. الناس خافت كثيراً بعدما سمعت بالدعوى، وصارت تنتبه أكتر للنظافة”.
وتناشد جمعة الجهات المعنية إجراء كشف ميداني على الموقع قبل اتخاذ قرارات وصفتها بـ”غير الإنسانية”، مضيفة: “نحن لسنا ضد تطبيق القانون، لكن لا يجوز أن يكون ذلك على حساب المقهورين الذين لا يملكون مأوى آخر”.


