تعيش المنطقة لحظة شديدة الحساسية، مع دخول المواجهة بين إيران وإسرائيل أسبوعها الثاني، في ظل تصعيد عسكري غير مسبوق وقلق دولي متزايد من انزلاق النزاع نحو حرب إقليمية شاملة. في قلب هذه المعادلة، يقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب ممسكاً بخيوط القرار الأخطر: هل تنخرط الولايات المتحدة بشكل مباشر في الحرب، أم تكتفي بالدعم السياسي والعسكري الحذر؟
إسرائيل كانت البادئة بعملية جوية ضخمة حملت اسم “Rising Lion”، استهدفت من خلالها أكثر من 100 موقع إيراني حساس، من بينها منشآت نووية تحت الأرض في نطنز وفوردو، ومستودعات أسلحة تابعة للحرس الثوري. الرد الايراني جاء بعد أيام، عبر وابل من المسيّرات والصواريخ، استهدف منشآت إسرائيلية ومصالح أميركية في العراق وسوريا، ما وسّع رقعة الاشتباك وهدّد بفتح جبهات متعددة.
في واشنطن، اختار ترامب التصعيد الكلامي، مؤكداً أن “إيران تدفع المنطقة نحو الكارثة”، ومطالباً بـ”استسلام غير مشروط” لطهران، كما لمح إلى معرفته بمكان وجود المرشد الأعلى علي خامنئي، لكنه قال إنه “لن يستهدفه في الوقت الراهن”. وبالتوازي، عزّزت الادارة الأميركية وجودها العسكري في المنطقة، عبر نشر مقاتلات متطورة ومنظومات دفاعية، في خطوة تشير إلى جاهزية عالية للتدخل إذا ما فُرض الأمر.
المواقف الدولية جاءت متباينة. ففي قمة مجموعة السبع في 16 حزيران، دعم القادة الغربيون حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، ورفضوا أي امتلاك إيراني للسلاح النووي، بينما رفض ترامب التوقيع على بيان مشترك يدعو إلى التهدئة، ما أثار حفيظة بعض حلفائه. الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حذر من مغبة الحل العسكري، وذكّر بتجارب العراق وليبيا، مؤكداً أن المواجهة لن تنتج سوى الفوضى.
أما على المستوى العربي، فبرز موقف لافت من السعودية التي عبّرت عن “إدانتها الشديدة ورفضها القاطع” للضربات الاسرائيلية، معتبرة إياها “اعتداءً صارخاً على سيادة إيران وخرقاً للقانون الدولي”. وفي بيان مشترك شمل أكثر من 20 دولة عربية وإسلامية، دعت الرياض ومجموعة من العواصم الاقليمية إلى وقف الأعمال العدائية، والعودة إلى طاولة الحوار. كما نقلت وكالة “طهران تايمز” عن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان تأكيده وقوف المملكة إلى جانب “إخوانها في إيران”، في اتصال مباشر مع الرئيس الإيراني، جرت فيه مناقشة جهود ديبلوماسية عاجلة لاحتواء التصعيد. كما شدد البيان العربي الجماعي على ضرورة إخلاء منطقة الشرق الأوسط بالكامل من الأسلحة النووية.
على الأرض، بدأت ترتسم ملامح ساحات اشتباك إضافية. الميليشيات المتحالفة مع إيران في العراق صعّدت هجماتها على القواعد الأميركية، بينما تسود مخاوف من تحوّل سوريا إلى ساحة رد غير مباشر. هذا الانتشار للمواجهة يُنذر بتوسيع الجبهة إلى ما هو أبعد من إسرائيل وإيران.
في الداخل الايراني، تتفاقم الأزمات: انهيار اقتصادي، تضخم متسارع، واحتجاجات متكررة. ويبدو أن القيادة الايرانية تستخدم التصعيد الخارجي لحشد الداخل والتغطية على مأزقها الداخلي. في الوقت ذاته، تعمل طهران عبر وكلائها على فرض معادلة ردع إقليمي عبر استنزاف إسرائيل ومصالح واشنطن.
أما الاتفاق النووي الإيراني (JCPOA)، فقد أصبح عملياً خارج التداول. لم تعد واشنطن تتحدث عن تجميد البرنامج النووي، بل عن تفكيكه بالكامل، ما يكرّس نهاية مرحلة الديبلوماسية وبداية مرحلة الردع بالقوة.
في الخلفية، تراقب موسكو وبكين الموقف بصمت محسوب. روسيا ترى في التصعيد فرصة لتشتيت تركيز الغرب على أوكرانيا، بينما تحاول الصين الحفاظ على توازنها بين علاقتها بطهران وحرصها على استقرار أسواق الطاقة.
اقتصادياً، قفز سعر برميل النفط إلى أكثر من 76 دولاراً وسط التوترات، بينما تسود مخاوف على مستقبل مشاريع الغاز في شرق المتوسط. وفي لبنان، تزداد المخاوف من تداعيات محتملة، إذ إن أي تصعيد سيهدد الموسم السياحي ويعمّق الأزمة الاقتصادية، لا سيما مع إمكان انزلاق الجبهة الجنوبية في حال تفعّل دور “حزب الله” أو أي فصيل حليف لإيران.
في هذا السياق، تبرز مجدداً الحاجة إلى تحييد لبنان عن الصراعات الاقليمية. فالبقاء في دائرة التجاذب يعني تعريض الأمن الداخلي والاقتصاد الوطني لمخاطر جسيمة. والتغاضي عن طرح الحياد، بصفته خياراً وقائياً لا اصطفافياً، يكرّس هشاشة البلد بدل حمايته.
في ضوء هذه المعطيات، تبدو المنطقة بأسرها واقفة على حافة هاوية. قرار ترامب بالتدخل العسكري أو التراجع لن يحدد مستقبل الصراع الايراني – الاسرائيلي وحسب، بل مصير الاستقرار الاقليمي برمّته.
فهل تُضبط الايقاعات قبل الانفجار… أم أن البيت الأبيض يملك وحده المفاتيح الأخيرة؟
الشرق الأوسط يختنق تحت ضغط التهديدات، ويحاول أن يصمد بين معادلتين: الردع… أو الدمار.


