من فجر 13 حزيران حتى فجر 24 منه، عاش الشرق الأوسط على وقع فيلم حربي حيّ، سريع، ناري، مدهش، لا يُصدَّق: إسرائيل تباغت إيران بضربات خاطفة؛ طهران تردّ بصواريخ على تل أبيب؛ الولايات المتحدة تتردّد ثم تقصف منشآت نووية إيرانية؛ إيران تردّ على القصف الأميركي بهجوم “مدروس” على قاعدة “العديد” في قطر؛ ودونالد ترامب يُسدل الستار معلناً وقفاً لإطلاق النار… كأنّ المنطقة عاشت فصلاً مجنوناً من سلسلة “المهمة المستحيلة”.
لكن خلف هذا المشهد الناري، بقي سؤال وحيد يتردّد في العواصم: من الرابح ومن الخاسر؟
أميركا.. الضربة من دون تورّط
الولايات المتحدة خرجت نظرياً الرابح الأكبر: وجّهت ضربة قاسية الى البرنامج النووي الايراني، من دون أن تغرق في مستنقع حرب مفتوحة. فرضت وتيرة التصعيد، ثم فرضت الإيقاف، وحدّدت شروط المرحلة المقبلة. أظهرت من جديد أنها صاحبة اليد العليا عسكرياً واستراتيجياً، وأن إسرائيل لا تستطيع بدء حرب كبرى أو إنهاءها من دون إذن واشنطن. حتى الردّ الايراني على قاعدة “العديد” بدا وكأنه منسَّق ومبرمج مسبقاً، ما أتاح لترامب أن يشكر طهران… ويأمر بوقف الحرب.
إيران.. احتواء الخسائر والبقاء في اللعبة
على الرغم من الضربة القاسية التي تلقّتها منشآتها النووية، لم تسقط إيران. فالقنابل قد تدمر الأجهزة والمنشآت، لكنها لا تمحو المعرفة. طهران لا تزال تمتلك الارادة والتقنية، وإن تعطّلت مؤقتاً، لتخصيب اليورانيوم مجدداً.
أما الصواريخ التي أمطرت بها إسرائيل، فكانت كافية لإظهار أن الرد الايراني حاضر، وأن الحرب لن تكون بلا كلفة على الجبهة المقابلة. لكن الأهم أن طهران نجحت – حتى اللحظة – في منع تحوّل هذه الحرب إلى مشروع إسقاط للنظام، وأبقت على هامشٍ من الردع، ولو محدود.
إسرائيل.. نتنياهو بين “الانتصار” والمأزق
بنيامين نتنياهو قد يتباهى بجرأته: أقنع الأميركيين بالمشاركة، دمّر أهدافاً نووية عميقة، سيطر جوياً على طهران، واخترق قلب إيران استخباراتياً. لكنه في المقابل، خرج من المعركة بمظهر من تلقى الأوامر من ترامب، لا من يصدرها.
وفوق ذلك، تلقّت الجبهة الداخلية الاسرائيلية صدمة غير مسبوقة: صور الدمار في تل أبيب وأسدود والقدس لم تُشاهد من قبل بهذا الحجم. أما الهدف المعلن، تدمير البرنامج النووي بالكامل وتغيير النظام، فلم يتحقق. لذا، ما إن تهدأ النيران، حتى تبدأ النيران السياسية تلاحق نتنياهو في الداخل.
المنتصر الفعلي: ترامب
لا شك في أن دونالد ترامب كان نجم المشهد. ظهر كالرئيس القوي الحاسم، ضرب إيران، أنهى الحرب، منع التصعيد، وأبقى على صورة أميركا كقوة لا تُردع. وحتى الضربة الايرانية “الرمزية” على قاعدة “العديد” خدمت صورته: ردّ محسوب، بلا خسائر، سمح له بإعلان “نهاية الحرب” كقائد منتصر.
لكن ترامب لم يلعب دور القائد العسكري وحسب، بل السياسي أيضاً: أظهر براعة في إدارة التفاوض عبر الحرب، وأعاد خلط أوراق المنطقة في لحظة مفصلية.
الجولة انتهت.. ولكن اللعبة لم تنتهِ
ربما انتهت الحرب… مؤقتاً. وربما يعيش الشرق الأوسط فترة هدنة. لكن مفاعيل الحرب ستتراكم: في الداخل الاسرائيلي، حيث تنتظر نتنياهو محاكم تفتيش سياسية؛ وفي إيران، حيث الرأي العام سيطرح أسئلة وجودية عن صورة بلده ومصير برنامجه النووي، وفي أميركا حيث يسعى ترامب الى استثمار الاتفاق في تحقيق حلمه بنيل جائزة نوبل للسلام.
أما المنطقة، فهي الآن على شفير مرحلة جديدة، عنوانها الأبرز: لا منتصر حاسم، ولا سلام دائم… فقط هدنة في قلب العاصفة.


