الاستحقاق النيابي: العين على شيعي مستقل والثنائي يستعد

محمد شمس الدين

مع انطفاء فتيل الحرب الاقليمية، وانصراف اللبنانيين من مراقبة السماء ومتابعة الشاشات إلى الواقع، عاد همّ الداخل ليتقدّم على سواه. وفي طليعة الملفات الساخنة التي تتحرك على نار هادئة، يأتي الاستحقاق النيابي، الذي لم يعد مجرّد سباق محلي، بل أصبح محور اهتمام خارجي مكثّف، إقليمياً ودولياً.

ووفق معلومات خاصة حصل عليها موقع “لبنان الكبير”، فقد شهدت الأسابيع الماضية تواصلاً غير علني بين جهات خارجية مؤثّرة وقطب سيادي بارز، في محاولة لدفعه نحو تبنّي مشروع اختراق الطائفة الشيعية تمثيلياً، عبر دعم مرشّح شيعي من خارج الثنائية التقليدية (“حزب الله” وحركة “أمل”)، بغية كسر الاحتكار القائم منذ عقود.

لكن القطب السيادي، على الرغم من تفهمه للدوافع السياسية والرمزية لهذا الاقتراح، أبدى تحفظاً واضحاً، فالمعادلة التي طُرحت عليه تُخفي في طيّاتها تنازلات، إذ قد تؤدي إلى خسارته نائباً من طائفته، مقابل إيصال نائب شيعي مستقل لا ينتمي إلى كتلته، في وقتٍ سيكون النائب المسيحي “التعويضي” محسوباً على رئيس مجلس النواب نبيه بري، ما يعني فعلياً أن الكتلة تخسر مرتين: عدداً وتأثيراً.

في خلفية هذا النقاش، يكمن وعي واضح لدى القطب بأن معادلات المرحلة المقبلة ستكون أكثر هشاشة، وأن التوازنات البرلمانية باتت تحتاج إلى حسابات دقيقة، لا مجازفات تجريبية، خصوصاً في ظل سعي الخصوم الى بناء تكتلات توازي “الثلث المعطّل”.

في المقابل، يبدو أن الثنائي الشيعي ليس غافلاً عن محاولات الخرق هذه، بل يدرك تماماً مكامن الضعف في مناطقه، ويتعامل معها بجدّية. مناطق مثل الجنوب، بعلبك، وحتى جبيل، تُصنَّف في قاموسه اليوم كـ”خواصر رخوة”، قد تُخترق في لحظة سياسية دقيقة، أو تُنتزع منها مقاعد رمزية تؤسس لمشهد جديد. لكنه، بدلاً من الاكتفاء بالتحصين الدفاعي، يخطو باتجاه هجوم انتخابي استباقي، واضعاً نصب عينيه هدفاً استراتيجياً: إيصال أكثر من 40 نائباً، مع الحلفاء، ومن دون “التيار الوطني الحر”، لتكوين قوة نيابية فاعلة تعيد فرض معادلة الداخل من جديد، وتمنع محاولات تطويقه.

بهذا المعنى، يصبح الخرق المحدود داخل الطائفة، إن حصل، عديم التأثير الفعلي طالما أن الثنائي يتمكن من تعويضه بكتلة أكبر تُعيد له زمام المبادرة، بل وقد تمنحه شرعية سياسية داخلية أوسع مما كان يتمتع به سابقاً.

إن ما يجري خلف الكواليس من محاولات إعادة رسم الخريطة النيابية لا يُقاس بعدد المقاعد وحدها، بل بما تعكسه من تبدلات في موازين القوى، وتبدل في مزاج العواصم الداعمة.

هل يشهد البلد تحولات جذرية في تمثيل القوى السياسية؟ أم أن اختراق الطوائف سيكون متبادلاً ما يلغي مفاعيل أي اختراق؟

شارك المقال