نهاية نار… بداية كلام

جو رحال

في أواخر حزيران 2025، نفّذت إسرائيل واحدة من أعنف الضربات الجوية على المنشآت النووية الايرانية، مستهدفة بدقة مواقع فوردو ونطنز وأراك، في عملية بدت وكأنها الفصل الأخير في سباق استنزاف امتد سنوات. لكنها لم تلبث أن توقفت بصورة مفاجئة، بعد تدخّل مباشر من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي طلب من حكومة تل أبيب وقف التصعيد تفادياً لانفجار إقليمي يصعب ضبطه. بدت النهاية العسكرية محسومة، لكنّ البداية السياسية كانت أكثر تعقيداً: مرحلة جديدة من الكلام بدأت، عنوانها المفاوضات، وشعارها “لا غالب ولا مغلوب”.

الضربة التي هزّت إيران لم تُنهِ برنامجها النووي بالكامل. فبحسب الوكالة الدولية للطاقة الذرية، لا يزال أكثر من 280 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصّب بنسبة 60% مفقوداً أو نُقل إلى مواقع غير معلومة. هذا يعزز فرضية أن طهران أعادت توزيع نشاطها النووي في أماكن أكثر سرية وحصانة. وعلى الرغم من صدمة الضربة، فضّلت طهران الصمت الاستراتيجي على الرد العسكري، ما فُسّر أنه تمهيد لانخراطها في مفاوضات من موقع مضغوط لكن غير منهار.

أمام هذا التبدل، سارعت واشنطن إلى إعادة فتح المسار الديبلوماسي، ولكن بشروط أشد من اتفاق 2015: ضبط الصواريخ الباليستية، كبح النفوذ الاقليمي، وتوسيع صلاحيات التفتيش. التسوية عادت إلى الطاولة، مدفوعة بتوازن دقيق بين ما تحقّق ميدانياً وما فشل سياسياً في أن يُحسم.

ووسط هذا المشهد المتقلب، برز لبنان كاستثناء هادئ. فبينما اشتعل الاقليم، بقي على الحياد، لم يُستهدف، ولم يرد. جبهة الجنوب لم تتحرك، و”حزب الله” التزم الصمت، والحكومة التزمت التوازن. هذا الموقف لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة نهج تبنّاه لبنان منذ أكثر من عقدين في كل جولات النزاع الأميركي–الايراني–الاسرائيلي.

لكن اللافت هذه المرة أن لبنان لم يكتفِ بالحياد، بل بدأ بالتحرك السياسي من الداخل، قبل أن تتحرك قوى الخارج. رئيس الجمهورية جوزاف عون، بخلاف كثير من الحكّام الذين ينتظرون “ما سيأتي من الخارج”، أطلق حواراً داخلياً وطنياً شاملاً، واضعاً أولى لبنات التفاوض اللبناني – اللبناني قبل أن ينطلق التفاوض الأميركي – الايراني، الذي انضم إليه الاسرائيلي كطرف أساسي في المشكلة والحلّ. تلك المبادرة عكست فهماً عميقاً لديناميات المرحلة، وموقع لبنان الهشّ، فحاول الرئيس أن يصنع توازنه لا أن يفرضه الآخرون عليه.

أما على المستوى الدولي، فقد أثارت الضربة الاسرائيلية جدلاً قانونياً واسعاً. بعض العواصم اعتبرها “دفاعاً استباقياً”، فيما رآها آخرون “عدواناً غير مشروع” يخالف ميثاق الأمم المتحدة، خصوصاً في ظل غياب قرار دولي. اقتصادياً، ارتفعت أسعار النفط الى مستويات قياسية، ودخلت الأسواق في دوامة من التوتر، بحسب تقارير وكالة “بلومبرغ”، بينما تحرّكت قوى كتركيا والصين وروسيا لترتيب تفاوض دولي شامل، يتجاوز النووي إلى أمن المنطقة كله.

البارز أن هذه الجولة لم تُختَتم بصاروخ، بل بوقف نار معلن، تلاه حراك ديبلوماسي وتصريحات أوروبية وأميركية دعت الى إعطاء فرصة واقعية للحل السياسي. طهران لم تُعلن القبول بالتفاوض، لكنها لم ترفضه، في إشارة إلى استعداد ضمني للعودة إلى الطاولة، ضمن شروط تحفظ ماء الوجه، وتمنع الانهيار الكامل.

في المحصلة، المشهد تغير. انتهت الجولة العسكرية… لكن لغة الحرب لم تُطوَ بعد. فالتفاوض الآن يُدار من خلف ستار التهديد، والمعركة باتت تُحسم بالوقت، والضغط، والتموضع الذكي، لا بالقوة وحدها.

وهنا، يعود السؤال للبنانيين أولاً: هل يستثمر لبنان هذا الحياد، وهذه المبادرة السياسية، لحماية نفسه من الجولة المقبلة؟ وهل تكون مبادرة جوزاف عون بداية لتحصين الداخل من الخارج، أم مجرد صدى لمعادلات إقليمية لا نملك قرارها؟

الضربة انتهت، نعم… لكن المفاوضات بدأت. فصلٌ جديد كُتب بالحبر الديبلوماسي بعد أن جفّ البارود.

شارك المقال