مع دخول اتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل شهره الثامن، تتكشّف تدريجياً ملامح مرحلة جديدة في الجنوب، عنوانها الأبرز: غياب الدولة، وحضور الأسئلة الكبرى عن مصير الاعمار. فالهدوء الاقليمي النسبي، الذي أعقب تثبيت خطوط الاشتباك بين إيران وإسرائيل، لم يفتح الأبواب أمام ورشة إعادة البناء، بل أعاد الجنوب إلى واجهة الاهمال، مع وعود مؤجلة وتجاهل رسمي غير مفهوم.
جنوب يسأل.. ودولة تتجاهل
اللبنانيون عموماً، والجنوبيون خصوصاً، لم يعودوا يتابعون مسارات السياسة الاقليمية بقدر ما يبحثون عن إجابة واحدة: لماذا لم تبدأ إعادة الاعمار؟ الخروق الاسرائيلية ما زالت مستمرة، والنقاط الخمس المحتلة ما زالت ثابتة، فيما الدولة تبدو خارج المعادلة، حتى في أدنى أشكال التضامن. مشهدٌ يعمّق الشعور بالغربة الوطنية، ويعزز انطباعاً بأن الجنوب ليس أولوية.
الثنائي بين ضغوط الخارج وحسابات الداخل
في المقابل، لا يبدو “الثنائي الشيعي” في موقع الدفاع، بل في موقع التحضير لمعركة أكثر تعقيداً. فقد بات واضحاً، وفق ما تسرّب من أروقة القرار، أن المجتمع الدولي يلوّح بورقة الاعمار كورقة ضغط انتخابية، هدفها ضرب نفوذ الثنائي وفتح ثغرة في جدار التمثيل الشيعي عبر خرق خارج عباءته، وهو ما يقرأه الثنائي كاستمرار للحرب بأدوات ناعمة، لا تقل فتكاً عن القصف.
إعادة الاعمار: ملف محوري أم أداة ابتزاز؟
حتى الآن، لم تُصرف سوى 250 مليون دولار من أصل 11 مليار دولار كحاجة تقديرية، أي ما يعادل بالكاد 2٪، ما يعزز قناعة الثنائي بأن الملف خاضع لمساومات سياسية لا لخطط إنمائية. وعليه، بدأت تتبلور ملامح خيار بديل: “إعمار المقاومة”، على غرار ما جرى بعد حرب تموز 2006، في محاولة لرد الصاع بالمثل عبر الاقتصاد والخدمات لا عبر الصواريخ فقط.
فرصة لعهد عون.. لكنها ليست مفتوحة
الثنائي لا يخفي منحه فرصة للعهد الرئاسي الجديد بقيادة جوزاف عون لإثبات جديته. وهو يثني على مواقفه حتى الآن، لكنه يربط استمرار الدعم بترجمة المواقف إلى أفعال. وفي الكواليس، يتم التلويح بخيارات تصعيدية تبدأ بتحريك الشارع، ولا تنتهي بإعادة رسم العلاقة مع الدولة على قاعدة “حماية بيئة المقاومة”.
ركام الجنوب.. وخرائط الاقتراع المقبلة
ما يجري في الجنوب ليس مجرد تأخير خدماتي، بل مواجهة سياسية بصيغة جديدة، تتقاطع فيها الحسابات الداخلية بالارادات الخارجية. ومع كل يوم يمر بلا إعمار، تتآكل شرعية الدولة، وتترسخ شبكات النفوذ الموازي، ويتحول الجنوب إلى ورقة في معركة أكبر: معركة الانتخابات النيابية المقبلة.
أحد مسؤولي الثنائي لخّص المشهد بالقول لموقع “لبنان الكبير”: “خصومنا أضاعوا فرصة ذهبية بعد الحرب. لو أن الدولة تقدمت لحماية أهل الجنوب وإعادة إعمار بيوتهم، لسقطت شعبيتنا. لكن ما دامت الدولة غائبة، فإن شعبيتنا ترتفع. نلتقي في الانتخابات”.


