شهد جنوب لبنان أمس تصعيداً عسكرياً تمثل في تنفيذ أكثر من عشرين غارة جوية خلال ربع ساعة فقط في محيط منطقة النبطية. الغارات أحدثت انفجارات عنيفة وأضراراً جسيمة في المنازل والطرقات، فيما وصف السكان المشهد بالمرعب: الأرض تهتز تحت أقدامهم، والزجاج يتناثر في كل الاتجاهات، وسيارات الإسعاف تجوب الشوارع في سباق مع الوقت.
لكن، هل ما حدث مجرد عربدة عسكرية إسرائيلية في إطار ما تسميه تل أبيب “حرية الحركة”؟ أم أن خلف هذا التصعيد أبعاداً سياسية وأمنية أعمق؟
يقول الجيش الاسرائيلي إن الغارات استهدفت مخازن أسلحة تابعة لـ”حزب الله”، في خرق واضح لاتفاق وقف إطلاق النار. لكن مصادر سياسية رفيعة تؤكد أن ما يجري لا يمكن فصله عن مسار تصعيدي ممنهج بدأ منذ توقف الحرب الاسرائيلية – الايرانية قبل أيام فقط.
غالباً ما تختار إسرائيل التصعيد في لبنان عندما يطرأ تطور أمني أو سياسي كبير، واليوم هناك عاملان أساسيان: أولاً، رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو خرج من الحرب الاقليمية لكنه دخل في أزمة داخلية متصاعدة، وقد يلجأ مجدداً إلى فتح جبهة خارجية للهروب إلى الأمام، ويبدو أن لبنان أصبح وجهته المفضلة. ثانياً، جاءت هذه الغارات بعد زيارة المبعوث الأميركي سام بارّاك، الذي ناقش في بيروت مقترحات تتعلق بنزع سلاح “حزب الله” وترتيب الوضع الأمني في الجنوب. وتجربة السنوات الماضية تؤكد أن إسرائيل تترجم هذه النقاشات السياسية دائماً بلغة النار.
لبنان كورقة تفاوض.. مجدداً
من وجهة نظر المصادر نفسها، تسعى إسرائيل الى استخدام لبنان مجدداً كورقة ضغط تفاوضية ضمن الصراع الاقليمي، مستفيدة من انكفاء جبهة إيران مؤقتاً. فكلما اقتربت المنطقة من تسوية ما، ترتفع وتيرة التصعيد العسكري لتحسين الشروط أو فرض توازنات ميدانية جديدة. إنه نمط مألوف في سلوك تل أبيب، يتكرر في كل مرحلة انتقالية.
بيروت تتحرك على مسارين
في المقابل، لم يقف لبنان الرسمي مكتوف الأيدي، بل تحرّك على مستويين: ديبلوماسي وسياسي. على المستوى الأول، جددت الحكومة اللبنانية طلبها إلى الأمم المتحدة تمديد مهمة قوات “اليونيفيل” لسنة إضافية، مع التشديد على ضرورة انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية المحتلة ووقف خروقها المتكررة.
أما على المستوى الثاني، فبدأت تتسرب معلومات أن بيروت أبلغت واشنطن رسائل واضحة مفادها أن ملف نزع سلاح “حزب الله” لا يمكن مقاربته بصورة أحادية. فليس من المنطقي الطلب من لبنان نزع سلاح داخلي بينما تبقى إسرائيل على أراضيه وتواصل اعتداءاتها من دون رادع. وهنا تطرح الدولة اللبنانية معادلة جديدة – قديمة: “حصرية السلاح مقابل انسحاب كامل وضمانات حقيقية”، وهي معادلة تتماشى مع ما أعلنه الرئيس جوزاف عون في خطاب القسم، حين أكد أن السلاح يجب أن يكون حصرياً بيد الدولة.
هدنة هشة ومعركة مستترة
الواضح اليوم أن لبنان لا يعيش حالة سلم حقيقية، بل هو في قلب هدنة هشة وقابلة للاهتزاز في أي لحظة. الحرب الاقليمية المفتوحة قد تكون توقفت، لكن أدواتها ما زالت نشطة. الغارات ليست سوى وجه واحد للضغط. أما الوجوه الأخرى، فتكمن في الحصار المالي، التهديد بالعقوبات، والضغوط الدولية التي تهدف إلى فرض “تسويات نهائية” تُشبه في جوهرها عقود استسلام: تطبيع بلا مقابل، ونزع سلاح بلا ضمانات.
في المحصلة، ما يجري في الجنوب ليس تصعيداً عابراً، بل جزء من معركة أكبر يُراد للبنان أن يكون ساحتها الهشة. الدولة مدعوّة اليوم إلى ما هو أكثر من تسجيل المواقف، إنها مطالبة بخوض مفاوضات فعلية على قاعدة توازن المصالح، وحماية السيادة، ومنع تحويل لبنان إلى مجرد ورقة في بازار المصالح الاقليمية والدولية، سواء بيد العدو أو الحليف.


