كلما اقترب موعد الاستحقاقات الانتخابية أو طُرحت القوانين المرتبطة بها، تعود الخلافات السياسية إلى الواجهة، وغالباً ما تترافق مع تصعيد إعلامي من هذا الفريق أو ذاك. آخر هذه الجولات كان الخلاف حول عدم إدراج بند تعديل قانون الانتخاب، وتحديداً ما يتعلّق باقتراع المغتربين، على جدول أعمال الجلسة التشريعية الأخيرة. وُجهت أصابع الاتهام إلى رئيس مجلس النواب نبيه بري، باعتباره خالف الدستور وتعمّد تهميش دور المغتربين في العملية الانتخابية.
لكن، هل ما حصل يُعد فعلاً مخالفة قانونية؟
بعد مراجعة آراء عدد من الخبراء الدستوريين، يتّضح أن لا شيء في الدستور أو النظام الداخلي يُلزم رئيس المجلس بإدراج أي مشروع قانون على جدول الأعمال. فالموضوع يخضع لتقدير هيئة مكتب المجلس، وهذا ما حصل مراراً في السابق، ولم يكن يثير هذا القدر من الاعتراض أو الضجة. بل إن بعض القوى التي تحتجّ اليوم، سبق أن طلب تأجيل بنود أو حذفها عندما لم تكن الظروف السياسية مؤاتية له.
مصادر قريبة من عين التينة توضح لموقع “لبنان الكبير” أن ما يجري ليس سوى محاولة لتسجيل نقاط سياسية على حساب الواقع. وتقول: “إذا كان الهدف فعلاً تطوير قانون الانتخاب، فلماذا التركيز على بند المغتربين فقط؟ لماذا لا يُطرح القانون بكل تعديلاته على التصويت؟ وحينها، من يقبل أن يخوض النقاش على قاعدة التعديل بالتعديل والبادي أظلم”.
في المقابل، تعتبر مصادر “القوات اللبنانية” أن الرئيس بري غيّر موقفه. ففي انتخابات 2022، أيد أن يصوّت المغتربون لكل النواب الـ128، بينما اليوم يبدو أنه عاد إلى فكرة حصر تمثيلهم بستة نواب، كما نصّت عليها صيغة القانون الأصلية.
لكن مصادر من الثنائي الشيعي تردّ بأن الظروف تغيّرت كثيراً. فبعد حرب غزة الأخيرة (طوفان الأقصى)، شهدت القوانين في عدد من الدول الغربية تشدداً، لا سيما ألمانيا والولايات المتحدة، اللتان بدأتا تضيّقان على أي نشاط يُصنَّف بأنه “معادٍ للسامية”. بعض الجامعات طرد طلاباً بسبب دعمهم لفلسطين، وهناك قوانين تتيح سحب الجنسية أو منع الترشح أو التعبير السياسي في بعض الحالات. وهذا الواقع الجديد يضع علامات استفهام حول مدى حرية العملية الانتخابية في دول الاغتراب وشفافيتها، خصوصاً لمن ينتمي الى أحزاب تتّخذ موقفاً واضحاً من إسرائيل.
من هذا المنطلق، تقول أوساط الثنائي إن تنظيم الحملات الانتخابية في الخارج بات أكثر تعقيداً، وربما خطراً على البعض، وهو ما يستدعي إعادة النظر في آلية تمثيل المغتربين، لا إلغاءها ولا تكبيرها بصورة غير واقعية.
في المحصلة، الحديث عن الحقوق الدستورية شيء، والحسابات السياسية شيء آخر. فخلف كل هذا الجدل، تكمن معركة حقيقية على توزيع المقاعد النيابية، ومن خلالها على النفوذ السياسي في الحكومة، ورئاسة الجمهورية، واتخاذ القرار الوطني في مرحلة دقيقة من تاريخ البلاد.


