في لحظة سياسية شديدة الحساسية، حلّ الموفد السعودي الأمير يزيد بن فرحان في بيروت حاملاً رسالة لا تحتمل التأويل مفادها وفق معلومات “لبنان الكبير” أن على لبنان التقاط العرض الأميركي قبل فوات الأوان، باعتباره الفرصة الأخيرة لإنقاذ اقتصاده المنهار، محذراً من أن أي رفض أو تلكؤ سيؤدي إلى وقف أي دعم سعودي أو عربي، بينما القبول بخريطة الطريق الأميركية سيفتح باب المساعدات بلا سقوف.
هذه الزيارة لم تكن عابرة أو بروتوكولية، بل جاءت بتنسيق مباشر مع واشنطن، في محاولة واضحة لتهيئة الأرضية قبل وصول الوفد الأميركي المرتقب خلال أيام، والذي ينتظر أن يحمل تفاصيل إضافية عن الخطوات التنفيذية للعرض المقدم إلى الدولة اللبنانية والمحدد بفترة زمنية قصيرة لإنجاز التفاهم.
الورقة الأميركية التي سلّمها الموفد الأميركي توم باراك رسمياً إلى السلطات اللبنانية تضمنت بنوداً اعتبرتها بعض الأوساط السياسية متشددة، أبرزها طلب التزام واضح ببرنامج زمني لتسليم سلاح “حزب الله” إلى الدولة اللبنانية، مقابل ضمانات بتمويل واسع النطاق ووعود بفتح قنوات دعم عاجل عبر البنك الدولي وصناديق خليجية، إلى جانب اشتراطات تتعلق بضبط الحدود وتوحيد السياسة الدفاعية.
هذه البنود أثارت سريعاً انقساماً داخلياً، إذ اطلع على مضمونها رؤساء السلطات الثلاث رئيس الجمهورية جوزاف عون، رئيس مجلس النواب نبيه برّي، ورئيس الحكومة نواف سلام، من دون أن يصدر موقف موحّد ورسمي حتى الآن، بينما تواصل اللجنة الثلاثية اجتماعاتها المكثفة لصياغة رد يوازن بين ضرورات حماية السيادة ومتطلبات الحصول على الدعم الخارجي.
في الخلاصة، ترى الدولة اللبنانية أن الورقة الأميركية إطار تفاوضي ضاغط أكثر مما هي تسوية عادلة، لا سيما لجهة المطالبة بتسليم سلاح المقاومة من دون التزام واضح بانسحاب إسرائيل من مزارع شبعا والمناطق المحتلة، فيما يواصل برّي لعب دور الوسيط مع “حزب الله” في محاولة لبلورة صيغة معدلة تحفظ التوازن الداخلي وتمنع انهيار تفاهمات الطائف.
حتى اللحظة، لا قبول ولا رفض، بل سياسة انتظار وتفاوض مشروط تهدف إلى كسب الوقت وتحسين الشروط. “حزب الله” من جهته أرسل ملاحظات تقنية على بعض البنود الأمنية والاجرائية لكنه تجنّب الرد على
السؤال الجوهري: هل سيسلّم سلاحه ومتى؟
في موازاة هذا الحراك الرسمي، ووفق معلومات “لبنان الكبير”، جمع عشاء عائلي مساء الأربعاء الرئيسين عون وبرّي في مؤشر على محاولة تهدئة الأجواء وتجسير الهوة قبل أي موقف مصيري.
خلف كل ذلك، تلوّح الادارة الأميركية بأن مهلة الرد لن تكون مفتوحة إلى ما لا نهاية، وأن المماطلة قد تقابل بعقوبات وتضييق مالي إضافي يضاعف حدة الأزمة. وفي المحصلة، يقف لبنان اليوم أمام معادلة قاسية وواضحة: إما القبول بخريطة الطريق الأميركية ضمن شروط تفاوضية دقيقة تضمن حداً أدنى من السيادة وتؤمن مكاسب اقتصادية عاجلة توقف الانهيار، وإما الدخول في مواجهة مفتوحة مع العواصم المانحة وخسارة آخر نافذة دعم قد تنقذ البلاد من السقوط الشامل.


