جفاف العقل مأساة العصر

الراجح

كنت منغمساً في قراءة عن أحد أبرز المفكرين والممارسين في مجال العلاقات الدولية الأميركية، الذي غادرنا منذ فترة قصيرة جداً عن عمر يناهز 88 عاماً، وهو جوزيف صموئيل ناي جونيور.

صموئيل ناي جونيور كان أستاذاً ومؤسساً لكلية كينيدي للإدارة الحكومية في جامعة هارفارد، وهو صاحب نظرية القوة الناعمة. هذه النظرية اعتمدتها الولايات المتحدة والعديد من الدول الكبرى حول العالم، وذلك قبل تصرفات الجنون الأخيرة التي رعاها دونالد ترامب وحليفه بنيامين نتنياهو، من دون التطرق الى أمثالهم على المقلب الآخر لضيق الوقت، وضيق الصدر، وضيق سبل الحياة!

تتجسد نظرية القوة الناعمة للمفكر صموئيل ناي جونيور في العديد من الأمثلة المتعلقة بالسياسات الخارجية للدول الكبرى، لكن أهم ما ركز عليه هو إسقاط جدار برلين وتوحيد ألمانيا.

فالحرب الباردة بين أميركا والاتحاد السوفياتي لم تكن سبباً مباشراً في سقوط الجدار. لقد سقط الجدار بفعل المطارق والمعاول والجرافات التي استخدمها أشخاص غيّرت عقولهم برامج “صوت أميركا” وهيئة الاذاعة البريطانية، وليس بفعل القذائف والمدافع والطائرات، ولا حتى التهديدات النووية.

تشمل مساهماته الأكاديمية 14  كتاباً، من أشهرها: “القوة الناعمة”، “وسائل النجاح في السياسة العالمية”، و”مستقبل السلطة”، بالاضافة إلى كتاب “هل انتهى القرن الأميركي؟”. وله أيضاً مئات المقالات التي أصبحت مطلوبة في الجامعات والدوائر الديبلوماسية على حد سواء، وقد تهم العاملين في السياسة وصانعي القرار في بلداننا على وجه التحديد.

وبينما كنت أبدأ بالقراءة عن المصادر الثلاثة للقوة الناعمة، جاءني اتصال عاجل من صديق يطلب مني متابعة خطاب الشيخ نعيم. توقفتُ فوراً عن القراءة وتابعتُ الشيخ نعيم إلى أن وصل إلى حافة الحرب قائلاً: “إن شاء الله لا تظنون أننا مثل حكاياتهم، نحسبها على القلم والورقة؟ لا، نحن نقول: نقوم بواجبنا، نقف في الميدان، ندعو الله تعالى، ونتوكل من عليه، فيُرسل ملائكته معنا وننجح بإذن الله تعالى. إن لم يكن في اليوم الأول ففي الثاني والثالث، وإن لم يكن في الشهر الأول ففي الثاني والثالث”. ولا عزاء بعد ثالث فهذه إضافة وليست جزءاً من الخطاب!

وكون أساس الموضوع الذي ضاع عن العقل هو أن لا أحد يسألني لماذا تذكرت شاعر الزجل العظيم زين شعيب، الذي زجّل يومًاً

مهما يقوّوا الكهرباء بخزّانها                  وعالكون تفلش نورها ونيرانها

لو وجهوها عا مراية فكرتي                  من نور عقلي بيحترق كورانها

وقال أبو علي زين شعيب يوماً:

وين الخيل تشد الحيل تجر الويل حوافرها            نجوم الليل ثاني ميل ببحر جبيل بسمّرها

حاولت العودة لإنهاء المقال، لكنني لم أعد إليه، بل ذهبت إلى جهبذ العلم اللغوي المختص بلغة الضاد، الذي تفوّق على كل أهل البيان والبلاغة. هذا العالم اللغوي يرتبط اسمه إلى حد ما بموضوع جدار أو حائط برلين، حيث وقف أمام السفارة الايرانية في بيروت احتفالاً بانتصار إيران على أميركا، مؤكداً أن زمن الهزائم قد ولّى، وصرنا مُلزمين بالانتصارات. حتمية الانتصار لها مفعول آني، وقد يصير لها مفعول رجعي بإذن الله – هذا التأكيد من قبلي.

أما ما قاله الأصمعي الملقّب بالحاج محمد رعد فهو التالي: “إن كل الصهاينة عبر العالم قيمتهم لا تساوي ‘شِسع نعل’ الشهيد السيد حسن نصر الله”. شِسع النعل – هذا المصطلح يعود لعصر الجاهلية، حيث ارتبطت النعل بشسعها (الحزام الذي يربط النعل بالقدم) قبل اختراع الصرماية ما غيرها!

إذا سمحت الظروف، سنكمل ما بدأناه في المرة القادمة، لكني سأبدأ بصورة عملاقة لدولة رئيس البرلمان كُتب عليها: “يَنصح الأطباء بالنظر إليه لرفع مستوى الكرامة والعزة والشرف. تقدمة: المواطن منير القاضي (أبو خضر) – خلية تلة الخياط”.

شارك المقال