سوريا بين وهم الاستقرار وشبح التقسيم… من يملأ الفراغ؟

جو رحال

في مرحلة دقيقة من تاريخها، تقف سوريا على مفترق طرق بين إعادة بناء الدولة أو الانزلاق نحو صيغ التفتيت المقنّع. وبينما تتقاطع مصالح القوى الدولية والاقليمية على أرضها، تواصل الولايات المتحدة وإسرائيل نسج خطوط الترسيم الجديدة، كلٌّ وفق أدواته ومصالحه.

فإسرائيل تمضي بهدوء نحو تكريس مناطق عازلة في الجنوب والشرق، تسوّقها تحت عنوان “الأمن الوقائي”، لكنها في العمق تصبّ في مشروع إعادة تشكيل الخارطة السورية على أسس طائفية وعرقية، بما يضمن إبعاد الخطر الاستراتيجي عن حدودها. في المقابل، تتبنى واشنطن سياسة أكثر مرونة، قائمة على مزيج من العقوبات والضغط السياسي والدعم الانتقائي لقوى محلية، بهدف احتواء النظام من جهة، ومنع التمدد الروسي والايراني من جهة أخرى.

في دمشق، تراهن القيادة الجديدة على الانفتاح العربي والغربي، وعلى ما يُشاع عن وجود تفاهمات أولية لإعادة تأهيل السلطة مقابل بعض التنازلات الاقليمية، لا سيما في ملف لبنان. كما يُروَّج لمؤشرات تقارب غير معلن مع إسرائيل كجزء من ترتيبات تهدئة شاملة، ولكن من دون أي مسار معلن حتى الآن.

لكنّ هذه القراءة المتفائلة تصطدم بواقع داخلي متأزم. اشتباكات السويداء الأخيرة كشفت هشاشة السيطرة المركزية، وأكدت أن أي محاولة لفرض الهيمنة بالقوة على مناطق مثل جبل العرب أو شرق الفرات قد تؤدي إلى انفجار شامل. فالدروز يمتلكون امتداداً إقليمياً حساساً، فيما الأكراد يحظون بدعم دولي غير مباشر وقوة عسكرية منظمة. أي تصعيد في هذين الاتجاهين سيقود البلاد إلى فوضى أمنية لا تقل خطورة عن سيناريوهات السنوات السابقة.

الأخطر أن الحلفاء التقليديين لدمشق، أي روسيا وإيران، بدأوا بإعادة النظر في تموضعهم. موسكو، التي عزّزت قواعدها في طرطوس وحميميم، باتت تتعامل مع الملف السوري كعبء استراتيجي وتطالب بتسويات تعيد لها بعض النفوذ الاقتصادي. أما طهران، فقد سحبت جزءاً كبيراً من قواتها بعد تعرّض مواقعها لضربات إسرائيلية متكررة، وتراجع هامش تأثيرها السياسي بصورة واضحة.

في ظل هذه المعادلة المعقدة، تبدو الحاجة ملحة إلى مقاربة داخلية جديدة تواكب الانفتاح الخارجي. فمصالحة الداخل لم تعد ترفاً، بل شرط وجودي. يجب الذهاب نحو عقد سياسي جديد يكرّس الشراكة بين المكونات، ويؤسس لحكم لا يقوم على الغلبة ولا على التبعية، بل على التوازن والشرعية التمثيلية.

إن مواصلة التعاطي مع الداخل بعقلية أمنيّة تقليدية، في مقابل الانفتاح الديبلوماسي على الخارج، لن تنتج استقراراً حقيقياً، بل مزيد من الانفجارات المتتالية. وإذا لم تتدارك دمشق اللحظة، فقد تجد نفسها في قلب تسوية إقليمية لا تملك فيها سوى الموافقة على شروط الآخرين، وتكون قد فقدت كل أدوات الفعل والتأثير.

شارك المقال