نزع سلاح حزب الله… بين القرار الوطني والضغط الدولي

جو رحال
حزب الله

يشهد لبنان تطورًا سياسيًا وأمنيًا بالغ الحساسية مع عودة ملف نزع سلاح حزب الله إلى واجهة الأحداث، بعد إلغاء الموفد الأميركي الخاص توماس باراك زيارة كانت مقرّرة إلى الجنوب إثر احتجاجات غاضبة تخللتها شعارات مناهضة للولايات المتحدة ومؤيدة للمقاومة. هذا الإلغاء أعاد تسليط الضوء على التحدي الأبرز أمام الدولة: فرض سيادتها على كامل أراضيها، في وقت يرزح البلد تحت أزمات مالية خانقة وتراجع غير مسبوق في الثقة الدولية.

منذ مطلع الشهر، أوكلت الحكومة إلى الجيش مهمة إعداد خطة عملية لحصرية السلاح بيد الدولة، استنادًا إلى خطاب القسم والبيان الوزاري والقرار 1701. الخطة – التي لا تزال قيد البلورة – تقوم على الحوار والإقناع لتفادي الصدام المباشر، لكن حزب الله رفضها قاطعًا، مؤكّدًا أن سلاحه “جزء من معادلة الردع الإقليمي لا شأن داخليًا فقط”. في المقابل، شدّد رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون على أن “لا دولة بظل دويلة، والجيش هو الضامن الوحيد للأمن”.

الملف يزداد تعقيدًا بفعل التدخلات الخارجية؛ فالولايات المتحدة تدفع بمشروع متكامل لإنشاء منطقة استقرار في الجنوب بدعم دولي وخليجي، مقابل انسحاب إسرائيلي مشروط. رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ربط الانسحاب بخطوات لبنانية ملموسة تجاه تفكيك ترسانة الحزب، ما يجعل القرار اللبناني مرتهنًا بمفاوضات إقليمية متشابكة تشمل واشنطن وتل أبيب والرياض وطهران.

إلى جانب ذلك، تواكب فرنسا وقطر والأمم المتحدة الملف عبر قنوات دبلوماسية، وتؤكد على أهمية دعم الجيش اللبناني كعنصر توازن واستقرار، فيما يربط المجتمع الدولي أي مساعدات مالية أو استثمارات مستقبلية للبنان بإحراز تقدّم ملموس في استعادة الدولة لسلطتها الشرعية.

داخليًا، تنقسم القوى بين مؤيد يرى في الخطة خطوة تاريخية لاستعادة السيادة مثل حزب الكتائب، ورافض يحذّر من أن فتح الملف في هذه الظروف قد يهدد السلم الأهلي. غير أن البُعد الاقتصادي يفرض نفسه بقوة؛ فوجود سلاح خارج سلطة الدولة يُضعف ثقة المستثمرين ويحول دون انطلاق خطة إنقاذ مالي جدي، في وقت يربط المجتمع الدولي أي دعم بإصلاحات سياسية وأمنية واضحة.

الجيش اللبناني اليوم أمام مهمة دقيقة : وضع خطة قابلة للتنفيذ دون تفجير الداخل، وفي الوقت نفسه استعادة ثقة الخارج. نجاح الخطة سيعني إعادة الاعتبار للمؤسسات الشرعية وفتح باب الدعم العربي والدولي، فيما الفشل سيُغرق لبنان في حلقة جديدة من الأزمات والعزلة.

في المحصلة، يقف لبنان أمام استحقاق تاريخي غير مسبوق: إما أن ينجح في فرض معادلة السيادة عبر الدولة وحدها، أو يظل عالقًا في دوامة السلاح والانقسام والانهيار الاقتصادي. إلغاء زيارة باراك شكّل جرس إنذار مبكرًا بأن ملف السلاح لم يعد شأنًا داخليًا فحسب، بل بات عنوان المرحلة المقبلة التي ستحدد مصير لبنان بين الدولة أو اللادولة.

شارك المقال