ما بعد الدوحة لن يشبه ما قبلها

جو رحال

في تطور غير مسبوق، نفذت إسرائيل في 9 أيلول غارة جوية استهدفت اجتماعًا لقيادات من حركة حماس في العاصمة القطرية الدوحة، حيث كان يجري بحث مقترح أميركي لوقف إطلاق النار في غزة. العملية، الأولى من نوعها على الأراضي القطرية، أسفرت عن مقتل ستة أشخاص بينهم نجل القيادي خليل الحية، مدير مكتبه، ثلاثة من حراسه، إضافة إلى ضابط أمني قطري، فيما أكدت حماس أن قادتها الرئيسيين نجوا من الاستهداف. إسرائيل سارعت إلى تبني الضربة مؤكدة أنها جاءت ضد شخصيات مسؤولة عن هجمات 7 تشرين الاول وإدارة المعركة، في رسالة مباشرة مفادها أن لا ملاذ آمن لقيادات الحركة حتى خارج غزة.

هذه العملية ليست سابقة معزولة في تاريخ المواجهة الإسرائيلية مع خصومها خارج الحدود. فقد سبق أن اغتالت إسرائيل قيادات فلسطينية بارزة في تونس مثل خليل الوزير (أبو جهاد) عام 1988، واستهدفت قيادات من منظمة التحرير في لبنان. كما نفذت ضربات دقيقة ضد منشآت وشخصيات مرتبطة بـالحرس الثوري الإيراني في سوريا، واغتالت العالم النووي الإيراني محسن فخري زاده عام 2020. هذه العمليات تحمل بصمة استراتيجية ثابتة تقوم على مبدأ “الضربات الاستباقية” لحرمان خصومها من الملاذات الآمنة وتعزيز صورة الردع أمام الداخل الإسرائيلي، ما يجعل ضربة الدوحة امتدادًا لسلسلة طويلة من الرسائل العسكرية – السياسية العابرة للحدود.

ردود الفعل الدولية والإقليمية جاءت غاضبة. قطر وصفت الضربة بأنها “انتهاك صارخ للقانون الدولي وسيادة الدولة”، معتبرة أن استهداف أراضيها يهدد قدرتها على مواصلة دورها كوسيط. السعودية والإمارات والأردن وألمانيا والاتحاد الأوروبي أدانوا العملية، محذرين من تداعياتها على الاستقرار الإقليمي. روسيا ذهبت أبعد من ذلك، إذ وصفتها بأنها “انتهاك فاضح لميثاق الأمم المتحدة”، داعيةً إلى ضبط النفس. أما الولايات المتحدة، التي أُشير إلى علمها المسبق بالعملية، فقد وجدت نفسها في موقف حرج؛ فالرئيس دونالد ترامب وصف الضربة بأنها “مؤسفة ولا تخدم مسار السلام”، وسط تقارير عن انقسام داخل إدارته بين جناح أمني يرى ضرورة استمرار الضغط العسكري على حماس، وآخر دبلوماسي يعتبر أن الهجوم قوّض المفاوضات الجارية. بريطانيا أيضًا أدانت العملية عبر رئيس وزرائها كير ستارمر، الذي شدد على خطورة استهداف الأراضي القطرية كسابقة تمسّ الأمن الإقليمي والدولي.

الضربة تفتح الباب أمام سيناريوهات متعددة. أولها انهيار أو تعليق المفاوضات الخاصة بوقف إطلاق النار، إذ أن الضربة جاءت في لحظة حرجة من البحث في مقترح هدنة. ثانيها احتمال التصعيد الإقليمي، حيث قد تدفع هذه التطورات بعض الدول العربية والخليجية إلى إعادة النظر في اتفاقات أمنية ودبلوماسية وتجميد مسارات الوساطة. ثالثها يرتبط مباشرة بمكانة قطر، إذ إن استهداف أراضيها يضعف قدرتها على الاستمرار كمنصة للحوار ويجعلها تحت ضغط داخلي وخارجي. وإلى جانب ذلك، يظل احتمال التصعيد العسكري واردًا، سواء عبر رد من حماس بعمليات نوعية أو من خلال حلفاء إقليميين، ما قد يفتح الباب أمام مواجهة أشمل على أكثر من جبهة.

لكن الأهم أن العملية كشفت البعد الاستراتيجي الأعمق لإسرائيل: كسر معادلة “المناطق الآمنة” لحماس، وتوجيه رسالة للوسطاء الإقليميين، وفي الوقت نفسه تعزيز صورة الردع داخليًا أمام الرأي العام الإسرائيلي. هذا البعد يجعل الضربة أبعد من مجرد استهداف أمني، بل خطوة سياسية لحسم معركة النفوذ في الإقليم.

عربيًا، يفرض الحدث اختبارًا صعبًا لوحدة الموقف الرسمي؛ بين من يتمسك بدعم الفلسطينيين باعتباره التزامًا قوميًّا، وبين من يخشى أن يقود التصعيد إلى انفجار إقليمي يهدد أمن المنطقة ككل. لبنان، بدوره، يترقب بقلق انعكاسات هذا التطور على جبهته الجنوبية وعلى نقاشه الداخلي حول حصرية السلاح وسيادة الدولة.

في الخلاصة، ما بعد الدوحة لن يشبه ما قبلها. الضربة الإسرائيلية لم تكن مجرد عملية عسكرية عابرة، بل محطة مفصلية تعيد خلط الأوراق إقليميًا ودوليًا، وتضع المنطقة أمام مفترق طرق: إما انزلاق نحو مواجهة مفتوحة تهدد استقرار الشرق الأوسط والخليج، أو تسوية جديدة تُفرض بشروط أكثر قسوة وتعقيدًا، فيما تبقى القضية الفلسطينية جوهر الصراع ومفتاح أي سلام محتمل.

شارك المقال