معتقل سياسي سابق: لقد قتلوا مستقبل إيران!

ترجمة, سياسة 24 تشرين الثانى , 2021 - 12:11 ص

مجموعة لبنان الكبير على واتساب

كتب مجيد صاحب جمع، المعتقل السياسي السابق في إيران والذي نجا ضمن قلة من "مجزرة 1988 للسجناء السياسيين"، في موقع "نيوزويك" الإلكتروني الأميركي:

"شهدت أوروبا أخيراً انعقاد محاكمتين بعد مرور عامين على القمع الدموي لانتفاضة تشرين الثاني في إيران و33 عاماً على المجزرة التي راح ضحيتها 30 ألف سجين سياسي. وبينما الجناة الحقيقيون يراقبون من على بعد آلاف الأميال في قصورهم، سعى المظلومون إلى العدالة بعدما قتل الجناة كل روح تجرأت على الانشقاق، تماماً كما يفعلون اليوم. لقد اعتقلت عام 1982. وما الجريمة التي ارتكبتها؟ دعمت مجموعة سياسية تعارض حكم طائفة متطرفة تستغل الشريعة الإسلامية لتبرير جشعها وشهوتها للسلطة. في تلك الأيام، يكفي انضمامك لأي حراك لإدانتك. وعلى غرار العديد من الشباب الآخرين، انضممت إلى حركة "مجاهدي خلق" لأني أؤمن بأن الإسلام عقيدة تحترم المساواة والتسامح والمحبة بين البشر. والتزمت بحضور الاجتماعات وبقراءة صحيفة المجاهدين وبالدخول في نقاشات حرة مع باقي الأعضاء ومع أعضاء من حركات أخرى. لم أتصور البتة أن ذلك قد يكلفني 17 عاما وراء القضبان.

تجربة السجن: كرهت مخيلتي!

ما رأيته في السجن يفوق قدرة أي كان على التصور أو على التحمل. لقد كرهت مخيلتي في أحيان وكرهت نفسي في أحيان أخرى لأني بقيت على قيد الحياة بينما قتل العديد من أصدقائي. الوحدة في السجون الإيران تجربة وحشية يفرض عليك التعايش معها. وهكذا قضيت الليالي وأنا أحصي عدد الطلقات. أذكر في المرة الأولى، في أيلول 1982، كيف امتلأ الليل بأصوات الطلقات المستمرة، برشقات جماعية ثم فردية... طلقة فاثنتان فثلاث... أدركت أني أحصي عدد الرصاصات التي تخترق أجساد أصدقائي... أربعة وخمسون... خمسة وخمسون (...) الطلقات العشوائية كانت تصدر من أسلحة فرق إطلاق النار أما الطلقات الفردية فقاضية... تستهدف الرأس مباشرة... ومع كل طلقة، أحصي الأصدقاء الذين أفقدهم في كل ثانية... 91 - 92... كم قلت في نفسي، في يوم من الأيام ستخترق هذه الطلقات رأسي وسأصبح بدوري أحد هذه الأرقام... 99... 100.

عام 1988، اتخذ النظام القرار بإبادة جميع المعتقلين السياسيين. كل من تمسك بالحركة وبقضية الحرية واجه الموت. وحدهم من نفوا انتماءهم نجوا (...) نقل الرجال والنساء أمام "لجنة الموت" الواحد تلو الآخر بعد رفضهم الخضوع ونفي معتقداتهم والرضوخ لحكم الديكتاتور. سمع "القضاة" ثلاثين ألف "لا" وفي كل مرة ترافقت معها الهتافات والبكاء من أجل الحرية كآخر الأماني على الأرض. لقد أعدم جيل كامل كان في مقدوره بناء مستقبل إيران حد الانقراض. وسعى مسؤولو النظام الديني للازدهار من خلال الفساد ونهب الأمة. وبمجرد الانتهاء من المعارضة المحلية، وسعوا نطاق عملهم إلى الخارج وسعوا من أجل التأثير الجيوستراتيجي والنفوذ الدولي. لكن المجتمع الإيراني لم يسكت أبداً. ولطالما اندلعت انتفاضات تذكّر الحكام وبقية العالم بأن الشعب الإيراني مصمم أكثر من أي وقت مضى، على استعادة الحريات المسروقة ومحاسبة الجناة.

خرجت في تشرين الثاني 2019، أمة محرومة إلى الشوارع في مسعى لقلب نظام الحكم. أراد الناس في كل أنحاء البلاد إطاحة رجال الدين والحرس الثوري الإسلامي. لكن الانتفاضة وُوجهت بحملة قمع بدم بارد، ففقد أكثر من 1500 رجل وامرأة حياتهم بوحشية، وقتلوا بالمروحيات أو الرشاشات الثقيلة أو البنادق نصف الآلية. وأمعن القتلة بالإفلات من العقاب على الرغم من الإدانات العالمية. وعكست محكمة فظائع إيران (إبان الشعبية الدولية) في لندن، التي استمعت لشهود مجزرة تشرين الثاني 2019 لمدة خمسة أيام، شجاعة الشعب الإيراني... على مدى خمسة أيام، شهدت المئات من الأرواح الشجاعة، المدركة للخطر لكن العازمة والمتطلعة لمستقبل مشرق. هؤلاء أرادوا التغيير وخاطروا بحياتهم مرة جديدة من خلال التحدث علنًا، وكان منهم الشباب الذين غطوا وجوههم وعناصر الأمن الذين انفصلوا عن النظام والنساء اللواتي وقعن ضحية العملاء الكارهين لهن.

عندما أدليت بشهادتي أمام قضاة سويديين أثناء محاكمة أحد مسؤولي السجون بجوهاردشت (كوهردشت)، حميد نوري، سيئ السمعة والمتورط في مجزرة عام 1988، أخبرتهم أن قائمة ضحاياهم المكونة من 110 أسماء تغطي جزءا صغيرا للغاية من الإبادة الجماعية. بالنسبة إلى القضاة، تكفي اللائحة لإدانة مرتكبي "جرائم الحرب" و"القتل" وفق القانون السويدي. وقد فهمت ذلك وأعجبت بالجهود المبذولة من قبلهم، لكن تملكتني رغبة كبيرة بالسعي من أجل عدالة تنصف وتتذكر كل روح فقدت وكل موهبة أزهقت وكل مستقبل كان يمكن أن يبنى.

القضية لا تتعلق بمن رحلوا ولكن بمن سيأتون تالياً. فحتى لو ألقي القبض على الجناة ومثلوا أمام المحاكم، لا يمكن السنوات التي سيقضونها وراء القضبان أن تعوض أبداً الفظائع والأضرار التي لحقت بضمير البشرية. فلا يمكن فهمنا للعدالة أن يضاهي فظائع ما ارتكب والدرس الوحيد الذي يبقى للتاريخ هو التخلي عن الحسابات البراغماتية التي تقيم الأفعال بعدد الجثث... ولا بد أن تترجم عبارة "لن تتكرر مجددا" بالأفعال ولا تبقى مجرد عبارة طنانة لأن أولئك الذين يضحون كل يوم، بحياتهم من أجل الحرية ليسوا مجرد أرقام، بل هم المستقبل عينه".

شارك الخبر

مواضيع ذات صلة:

Contact Us