بعد 56 عاماً… هل يُصلح التحرك المصري الأخير ما أفسدته “اتفاقية القاهرة”؟

ياسين شبلي

برزت في الآونة الأخيرة حركةٌ مصريةٌ ناشطة باتجاه لبنان، تمثلت بزيارة رئيس المخابرات المصرية اللواء حسن رشاد إلى بيروت، تلتها زيارة قام بها رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام إلى القاهرة، حيث تمّ التوقيع على 15 اتفاقية بين البلدين. يأتي ذلك في تطوّر مهم ولافت في ظلّ الظروف المعروفة التي يمرّ بها لبنان، والتي هي إلى الحصار أقرب، بذريعة وجود سلاح “حزب الله” الذي يمثّل مشكلة حقيقية للبنان باعتراف غالبية المراقبين، كما من الشعب اللبناني. إلا أنه في الوقت نفسه – كما يرى البعض – لا يجب أن تُحلّ هذه المشكلة من قِبَل الإخوة والأصدقاء بإضعاف الدولة اللبنانية وحكومتها في عهدها الجديد، لتبقى فريسةً لهذا الوضع، ويبقى بالتالي لبنان رهينة قراراتٍ انتحارية يتخذها طرف واحد، ليصبح الوضع مع الإخوة العرب – كما مع الحزب نفسه – كالدب الذي قتل صاحبه.

من هنا تأتي أهمية مقاربة القاهرة لملف العلاقات بين البلدين، وذلك عبر الانفتاح على لبنان بكل ما تمثّله مصر من ثقل عربي وإقليمي مؤثر، خاصة بعد الدور الكبير الذي اضطلعت به في أزمة غزة، وقمة شرم الشيخ التي شهدت توقيع الاتفاق بحضور أكثر من 20 رئيس دولة لم يكن لبنان من بينهم – للأسف. كما أنّ الأهمية تكتسب بُعداً أكبر إذا ما أخذنا بعين الاعتبار شخصية المبعوث المصري كونه شخصاً غير عادي، إذ إنه بموقعه يمثّل أحد أفراد الدائرة الضيقة المحيطة بصانع القرار في القاهرة، خاصة بما يتعلّق باستراتيجية الأمن القومي المصري كما العربي.

ولبنان، في مثل الظروف التي يمر بها منذ بداية عملية “طوفان الأقصى” وحرب الإسناد التي تحولت مع الوقت إلى نكبة، قد يكون اليوم على أعتاب مرحلة هي من أخطر المراحل سواء بالنسبة له أو للإقليم، قد تنطلق من مثلّث الحدود اللبنانية – السورية – الإسرائيلية، بحيث قد ترسم التطورات فيه صورة المنطقة لسنواتٍ طويلةٍ مقبلة.

من هنا، تأتي أهمية زيارة المبعوث المصري التي أشارت بعض الأنباء الصحفية إلى أنه قد يكون حمل ما يشبه “التحذير” للحكومة اللبنانية من تطورات الأسابيع المقبلة، وهو أمر قد يكون تم – باعتقادي – ولكن بصيغة نصيحة، نتيجة “تقدير موقف مصري” للتطورات، بعيداً عن الفجاجة التي تتسم بها المواقف الأميركية، مع الاستعداد ربما للقيام بدورٍ ما للحؤول دون تطوّر الوضع نحو الأسوأ، وذلك انطلاقاً من حرص مصر على الاستقرار في لبنان والمنطقة. فيما أشارت مصادر أخرى إلى مباحثات – ولو غير مباشرة – مع “حزب الله”، حتى إنّ البعض ذهب إلى حدّ الحديث عن زيارةٍ لوفدٍ من الحزب إلى القاهرة، وإن كان كتاب “حزب الله” المفتوح الأخير للرؤساء الثلاثة قد نسف كل هذه التوقعات.

هذه التوقعات – وإن غير المؤكدة – كلها تصبّ في خانة الأهمية التي توليها مصر للملف اللبناني وتطوراته الخطيرة في ظل تغوّل نتنياهو وعطشه الدائم للحرب في سبيل تحقيق أطماعه التوسعية في المنطقة.

الواقع أنّ العلاقات المصرية – اللبنانية ليست وليدة اليوم بطبيعة الحال، وهي علاقات شهدت صعوداً وهبوطاً في مراحل عدة، إلا أنها لم تصل مرةً إلى القطيعة سوى بقرار عربي بعد زيارة الرئيس الراحل أنور السادات للقدس. فمصر كانت أول دولة عربية تعترف باستقلال لبنان، وكان لزيارة المرشح الرئاسي يومها بشارة الخوري لها عام 1942، واجتماعه مع رئيس وزرائها مصطفى النحاس باشا وكذلك وزير الخارجية السوري جميل مردم بيك، دورٌ في التمهيد للميثاق الوطني اللبناني الذي أُتُّفق عليه لاحقاً بين بشارة الخوري ورياض الصلح، بحيث أدّت تداعياته بعدها إلى الاستقلال عن فرنسا.

في عهد الرئيسين جمال عبد الناصر وكميل شمعون، توترت العلاقات على خلفية الموقف من “حلف بغداد” والعدوان الثلاثي على مصر، وهي مواقف ساهمت في اندلاع أحداث عام 1958 في لبنان، قبل أن تستعيد هذه العلاقات عافيتها بتسلّم الرئيس الجنرال فؤاد شهاب منصب الرئاسة في لبنان، الذي جاء نتيجة توافق أميركي – مصري، وكان اجتماع “الخيمة” الشهير بين الرئيسين على الحدود اللبنانية – السورية.

ومن الأحداث المهمة التي ارتبطت بالعلاقة بين مصر ولبنان، وربما الحدث الأهم من ناحية تأثيره على لبنان، كان “اتفاقية القاهرة” التي وقّعها لبنان مع منظمة التحرير الفلسطينية، والتي أعطت الشرعية للعمل الفلسطيني المسلّح انطلاقاً من لبنان. الأمر الذي أدّى في النهاية – نتيجة سوء التقدير والتصرف والتنفيذ – إلى أن تكون هذه الاتفاقية أحد أهم أسباب الحرب الأهلية اللبنانية، التي حاولت مصر جهدها محاصرتها عبر الدبلوماسية التي فشلت نتيجة الخلافات العربية، خاصة بين كلٍّ من سوريا ومصر بعد جنوح الرئيس السادات إلى التفاوض ومن ثمّ السلام مع إسرائيل. الأمر الذي استغله النظام السوري تحت شعارات المقاومة لوضع يده على لبنان، وهو ما دعا الرئيس المصري أنور السادات إلى إطلاق صرخته الشهيرة: “ارفعوا أيديكم عن لبنان”، والتي باتت عنواناً بعدها للسياسة المصرية تجاه هذا البلد.

بعد اتفاق الطائف، لم تتوانَ مصر عن مساعدة لبنان بكل ما أوتيت من إمكانيات، خاصة في فترة تولّي الرئيس الشهيد رفيق الحريري رئاسة الحكومة، بفضل العلاقات المميزة التي كانت تربطه بالمسؤولين فيها. فكانت من أوائل الدول الداعمة، خاصة بعد الاعتداءات والحروب التي شنّها العدو الصهيوني على أراضيه في الأعوام 1993 و1996 و2006، وكذلك الحرب الأخيرة التي لا تزال مستمرة من طرف هذا العدو. كما كانت طرفاً فاعلاً في اللجنة الخماسية التي تولّت التمهيد لحلّ أزمة الفراغ الرئاسي.

من هنا، ينظر لبنان بعين الأمل والرجاء والتقدير إلى التحرك المصري الأخير، في ظل حاجته الماسة إلى دعم أشقائه في وجه التعنت الإسرائيلي من جهة، والإيراني المتمثل داخلياً بتصلّب موقف “حزب الله” من موضوع حصرية السلاح بيد الدولة من جهة أخرى، لا سيما وأنّ مصر اليوم لها علاقاتها المتوازنة مع كلّ الأطراف في المنطقة، كما أنها لا تنقصها الحنكة والأناة، والأهم الإرادة الخيّرة كما برهنت التطورات منذ سنتين وحتى اليوم في موضوع غزة.

فإذا كان البعض يرى في “اتفاقية القاهرة” مع الفلسطينيين أنها كانت شرارة دخول لبنان نفق الحرب، فهل يكون التحرك المصري الأخير هو الترياق لخروج لبنان من هذا النفق؟ لعلّ وعسى.

شارك المقال