“الحزب” يحاول “توريط الجيش” للتحايل على الضغوط

عبدالوهاب بدرخان

حاولتُ أكثر من مرّة، حين كنت ألتقي ضباطاً وعناصر من الجيش اللبناني، أن أفهم كيف ينظرون إلى “حزب إيران/ حزب الله” وما يمثّله في نظرهم وإزاء المؤسسة التي ينتمون إليها. كان معظم الجلسات معهم اجتماعياً، وخارج لبنان، وليس في إطار عملي كصحافي، ولم يكونوا من عائلات تنتمي إلى “البيئة” أو “الحاضنة” الشيعية. مع ذلك، وبحسب الفترة الزمنية والظروف السائدة في لبنان، كنت ألمس أنهم يتحرّجون ويتحفّظون ولا يميلون إلى الصراحة، رغم تأكيدي أن الكلام ليس للنشر في أي حال. ورغم أن قلائل بينهم تحدثوا بوعي ووضوح، وقلائل آخرين أجابوا بكلام مبهم، إلا أن جلّهم لم يفكّر في الأمر بل أخذه بشيء من السطحية كأنه لا يعنيه. أما المشترك بينهم فهو البديهي والمتوقّع، أي أن الموضوع يخصّ القيادة وبعض الأجهزة ولم يكن متداولاً داخل المؤسسة.

لم ألتقِ بأي عسكري في الأعوام القليلة الماضية، وبالأخص بعد ما سُمّي “حرب الإسناد”، لكن طوال الفترة السابقة كنت ألاحظ تغييراً في التعبير مواكباً التغييرات الشائعة، لأن العسكريين أبناء المجتمع ويتأثرون بانقساماته: فقبل “تحرير” الجنوب شيء وبعده شيء آخر، كذلك قبل اغتيال الرئيس رفيق الحريري والاغتيالات التي تلته وبعدها، ثم قبل حرب 2006 وبعدها، وقبل معركة نهر البارد (2007) وبعدها… لكن بتحفّظ، ومن دون التركيز على “الحزب” وارتكاباته الإجرامية تحديداً، ومن دون آراء مباشرة في الوجود السوري (الأسدي) وأدواره القذرة. ومع كل استحقاق رئاسي كانت واضحة حماستهم لانتخاب “القائد”، ثم هبوطها مع انكشاف الأداء السيّئ سواء لإميل لحود أو ميشال عون. غير أن التحالف بين الأخير (خارج الجيش منذ مطلع تسعينات القرن الماضي) و”الحزب” أحدث التباساً وتشوشاً لدى العسكريين، مقدار ما كان موضع ارتياح رفاقهم الشيعة.

كان التنسيق بين الجيش و”الحزب” خلال مرحلة الوصاية السورية (الأسدية)، ثم في المرحلة الإيرانية التي تلتها، بمثابة أمر واقع تفرضه ضرورات كثيرة متداخلة وغير منطقية، لكن طبيعة النظام التي تحول دون أن يكون الجيش مسيّساً أو انقلابياً أو متمرّداً جعلته يواظب على الصمت و”التطنيش” العلنيين، ويتعامل مع الوقائع كما يرسمها المستوى السياسي، وليس واضحاً ما إذا كان يبدي في الاجتماعات المغلقة ملاحظات صريحة على أوضاع كانت مساوئها مرئية. لكن لوحظ أنه في عهد جوزف عون، عماداً وقائداً، كان الجيش يواِئِم قراراته مع ما يفرضه المنطق الوطني السليم، خصوصاً خلال فترة “انتفاضة 17 تشرين” وما رافقها من توترات بين الشارع من جهة والرئاسة و”الحزب” من جهة أخرى. غير أن توقعات الشارع والمجتمع وانتظاراتهما تغيّرت عموماً، ليس فقط بوجود رئيس جمهورية ورئيس حكومة غير متحالفين مع “الحزب”، بل إنهما مُلزَمان بتطبيق شروط إنهاء الحرب التي أشعلها ذلك “الحزب” بدافع من عقيدته الخاصة وارتباطه العضوي بإيران.

في مقابل الصمت و”التطنيش” هذين، كان “الحزب” ينشط على هامش النظام ويعمل متحرّراً من المعايير التي يلتزمها الجيش، ومستفيداً من “ضرورة المقاومة لتحرير الجنوب”، ثم مستفيداً أيضاً من أجندتَيْ نظامي الأسد والملالي، إلى أن انتقل من العمل على هامش النظام اللبناني إلى تهميش هذا النظام وتطويع مؤسساته – بما فيها الجيش – باستغلال مقيت للتركيبة الطائفية للمناصب والوظائف ووضعها أمام خيارين: إما تعطيل المؤسسات، أو التهديد بتفجيرها من داخلها…

لذلك تُطرح تساؤلات داخلية وخارجية عن طبيعة العلاقة التي نسجها الأمر الواقع بين الحكم والحكومة وبين “الحزب”، وبالتالي بين الجيش والأجهزة وبين “الحزب”، ودعوات أيضاً إلى تغييرها بحكم أن الواقع نفسه قد تغيّر. فالدولة أتاحت لـ”الحزب”، مستسلمةً لإرهابه أو طائعةً ومجبرة، أن يذهب إلى أقصى طموحه الإيراني، فليس هناك أقصى من أن يتجاهل مواقفها وسياساتها المعلنة وأن يتجاوز إرادتها ليشعل حرباً معروفاً سلفاً أنها غير متكافئة وخاسرة، كما لو أنها استدعاء للعدو كي يدمّر ويعربد ويعيد الاحتلال كيفما يشاء. وإذا كانت إيرانية “الحزب” وعقائديته تمنعان اعترافه بالهزيمة فهذا لا يغير شيئاً في واقع لبنان ما بعد الحرب، لكنه يعني بوضوح أن “الحزب” يتشارك وإسرائيل التطلع إلى حرب مستأنفة، مفترضاً أن انتشار الجيش سيحتّم المواجهة غير المتكافئة أيضاً بينه وبين العدو. ففي حال كهذه يعتبر “الحزب” أنه يحقق أحد أهم أهدافه: استدراج الجيش إلى “خط المقاومة” وإلى هزيمة للجيش والدولة في آن.

لا يمكن إسقاط هذا الاحتمال، المستبعَد نظرياً لدى كثيرين، لأن مأزق “الحزب” وسعيه إلى التخلص من الضغوط يعزّزان لديه منطق “توريط الجيش”. يُفترض أن يكون “العهد” والجيش مدركين أن “الحزب” لم يتخلَّ عن أيٍّ من طموحاته، وأهمها أن يغيّر النظام ويستولي على الدولة، حتى لو استلزم الأمر حرباً أهلية. من هنا ضرورة مراجعة أسس العلاقة ودوافع “التنسيق” مع “الحزب”، بل ضرورة إعمال القوانين لتغيير هذه العلاقة جذرياً، لأن الميليشيا مهما كانت طبيعتها لا يمكن أن تختزل طائفة يريد أبناؤها أن يعيشوا في هذا البلد، كما أن الميليشيا المستقوية ينبغي تفكيكها لا البحث عن تسويات بالتراضي معها.

من المؤكد أن الأسباب التي فرضت التنسيق سابقاً لم تعد ملزمة الآن لا للدولة ولا للجيش، بل باتت خطراً عليهما وعلى عموم الشعب. فلبنان لم يعد في فترة ما قبل العام 2000 ولا غداة حرب 2006 التي تباهى “الحزب” بأنه حقق فيها “النصر الإلهي”، وإنما هو يعيش حرباً مستمرة لا تريد الولايات المتحدة قبل إسرائيل إنهاءها إلا بـ”شروط المنتصر”. يحاول “الحزب” التحايل على هذه الشروط وإظهار أنها تنطبق فقط على الدولة والجيش، وأن صمود “المقاومة” يمنعهما من الخضوع لها سواء بـ”نزع سلاحه” أو بقطع ارتباطه المالي والعسكري والسياسي بإيران. وإذا كان استمراره في التسلّح والتموّل وتدريب مقاتلين جدد يحرك الوفود الأميركية إلى بيروت فهذا لا يعني سوى أنه قادر على خداع الجميع، وإلا فأين الدولة والجيش وأجهزتهما؟

شارك المقال