في لبنان، لم يكن الميلاد يومًا مجرّد مناسبة دينية أو احتفالٍ موسمي. هو لحظة قياسٍ لنبض البلد: هل ما زال في هذا الوطن ما يستحق الفرح؟ وهل ما زالت الدولة قادرة على أن تكون مظلّة أمان ومعنى؟ هذا العام، ومع رئاسة الرئيس جوزاف عون، عاد الميلاد ليحمل جوابًا مختلفًا: نعم، يمكن للفرح أن يعود عندما تعود الدولة.
كمواطن لبناني، أكتب هذه الرسالة لا من باب المجاملة ولا من موقع الاصطفاف، بل من موقع الأمل الواقعي. الأمل الذي وُلد من شعورٍ استعادَه كثيرون: الإحساس بأنّ في قصر بعبدا رئيسًا يتصرّف كرئيس دولة، لا كمدير أزمة، ويخاطب اللبنانيين بمنطق المسؤولية التاريخية لا بمنطق اللحظة السياسية.
بهجة العيد التي شعر بها اللبنانيون هذا العام لم تأتِ من الزينة وحدها، بل من المناخ العام الذي فرضته الرئاسة: هدوء في الخطاب، ثبات في الموقف، وإصرار على إعادة الاعتبار لفكرة الدولة. في بلدٍ أنهكته الفوضى وتعدّد المرجعيات، يصبح هذا النهج بحدّ ذاته إنجازًا. فالرئيس جوزاف عون لم يرفع سقف الوعود، لكنه رفع مستوى الثقة، وهذه عملة نادرة في لبنان.
ما أعاد الأمل فعليًا هو وضوح المسار. منذ اليوم الأول، كان الخطاب الرئاسي صريحًا: دولة واحدة، قرار واحد، ومؤسسات يجب أن تستعيد دورها الكامل. لا ازدواجية في السلطة، ولا مساومة على السيادة، ولا تهاون في كرامة المواطن. هذا الوضوح أعاد للرئاسة معناها الدستوري والوطني، وأعاد للمواطن إحساسه بأنّ هناك مرجعية تُحاسَب وتُحاسِب.
في الجنوب، حيث الامتحان الأصعب، اختار الرئيس عون مقاربة الدولة العاقلة لا الدولة المنفعلة. وضع أولوية حماية الناس، وعودة الأهالي، واستعادة الأسرى، وتثبيت حق لبنان عبر السياسة والدبلوماسية والقانون الدولي. هذا الخيار لم يكن الأسهل، لكنه كان الأكثر مسؤولية. ففي لحظات الخطر، لا تحتاج الدولة إلى شعارات، بل إلى قيادة تعرف كيف تحمي شعبها وتُقلّل الخسائر وتفتح أفق الحلول.
داخليًا، أعاد الرئيس عون الاعتبار لموقع الرئاسة كمساحة جامعة. ابتعد عن السجالات العقيمة، ورفض تحويل القصر الجمهوري إلى طرف في الانقسامات. في زمن الصراخ، اختار الهدوء؛ وفي زمن الشعبوية، اختار العقل. هذا السلوك السياسي أعاد إلى الرئاسة هيبتها، وأعاد إلى اللبنانيين شعورًا بأنّ رأس الدولة هو ضمانة، لا عبئًا إضافيًا.
أما في الرمزية، وهي عنصر أساسي في بلدٍ مثل لبنان، فقد كان للميلاد هذا العام طعم مختلف. حين تحضر الدولة في الفضاء العام، وحين تُضاء شجرة العيد برعاية رئاسة الجمهورية، وحين تأتي المعايدة بلغة جامعة لا فئوية، يشعر اللبناني بأنّ الوطن ما زال قادرًا على جمع أبنائه، ولو للحظة. وهذه اللحظة ليست تفصيلًا، بل ضرورة نفسية ووطنية لشعبٍ عاش طويلًا على حافة الانهيار.
الرئيس جوزاف عون لم يدّعِ أنّ الطريق سهل، ولم يُخفِ حجم التحديات. لكنه قدّم ما هو أثمن من الوعود: قدّم اتجاهًا. اتجاه بناء الدولة، خطوةً خطوة، بصبرٍ وإصرار، ومن دون ضجيج. وهذا بالضبط ما يحتاجه لبنان اليوم: قيادة هادئة، واثقة، تعرف أنّ إعادة بناء الثقة هي المدخل لأي إصلاح اقتصادي أو سياسي أو اجتماعي.
في هذا الميلاد، لم يشعر اللبنانيون بأنهم وحدهم. شعروا بأنّ هناك دولة تحاول أن تعود، ورئيسًا يصرّ على أن يكون على مستوى هذه العودة. لذلك، يمكن القول بثقة إنّ الرئيس جوزاف عون لم يُعِد بهجة العيد كاحتفال، بل أعادها كإحساس: إحساس بأنّ لبنان لم يُكتب عليه اليأس، وأنّ الدولة، حين تُدار بعقلٍ ومسؤولية، قادرة على أن تُنقذ الأمل… وتُبقيه حيًا.


