العالم - حزب الله... هل طفح الكيل؟

سياسة 21 كانون الأول , 2021 - 12:03 ص

مجموعة لبنان الكبير على واتساب

ما قاله الرئيس نجيب ميقاتي عن وجود قرار دولي يمنع سقوط لبنان، لم يكن كلاما هوائيا يقصد به اضفاء جو تفاؤلي وسط الخناق المتفاقم الذي يعانيه اللبنانيون، بل كان رسالة غير مباشرة الى كل من يحاول استفراد لبنان وابتلاعه من خلال تجويعه وتفليسه وتهجير أهله، أي حزب الله وعرابه الايراني.

وفي غياب اي ايضاحات مباشرة في هذا المجال، لا يخفى على المراقبين سلسلة تحركات اميركية وفرنسية واوروبية ودولية، توحي بأن لبنان بات سفينة تائهة لا يقودها ربان لبناني، وبات من الضروري تدخل فريق انقاذ اجنبي يتولى اعادتها الى الشاطئ بأقل أضرار ممكنة.

ولا يخفى ايضا، ان العالم الغربي والعربي بات ينظر الى لبنان ككيان فارغ على المستوى الرسمي يقوده رئيس معزول ومرتهن، ومنظومة حزبية وسياسية واصولية تدور في فلك دمشق وطهران، وتأخذ من بيروت رهينةً على المستوى السياسي، ورافدا ماليا مباحا على مستوى الفساد والتمويل والصفقات، ومقراً امنيا ممانعا على مستوى الحرب والاغتيال والتهريب والرسائل المفخخة...

والواقع ان هذا التحرك انطلق من سلسلة تجارب فاشلة حاول من خلالها العالمان الغربي والعربي، الدخول الى المعادلة اللبنانية من خلال لبنان الرسمي، قبل ان يتأكدا ان الرئيس ميشال عون لا يملك الرغبة في وضع خطوط حمر للانفلاش الايراني او التصدي له، وأن الجيش اللبناني ليس في وارد الدخول في اي مواجهة مباشرة مع حزب الله، لسببين اساسيين:

- غياب القرار السياسي الجامع من جهة، والخائف من جهة ثانية من نقص التكافؤ العسكري والعقائدي بين الفريقين.

- غياب الحافز المعنوي بعدما وصلت الازمة الاقتصادية الى بطون الجنود وعائلاتهم، مما هدد بتحويل الجيش من جيش مقاتل الى جيش جائع ، ودفع الاميركيين الى السعي في اكثر من اتجاه دولي لتعويم وانقاذ ما تعتبره آخر مكون حيوي لبناني لا يزال على قيد الحياة.

لكن العنصر الاهم خلف ما ادلى به ميقاتي، يكمن في حقيقة غير معلنة وهي البيئة اللبنانية التي تحتضن اقليات طائفية وثقافية وانفتاحية تتماهى الى حد كبير مع الذهنية الغربية والمصالح العربية، خلافا لما هو عليه الوضع في سوريا والعراق واليمن وغزة وسواها من الدول المنغلقة على نفسها وعلى العالم، وهي بيئة تشكل بالنسبة الى الغرب مكانا استراتيجيا على اكثر من مستوى ويجب بالتالي منعه من السقوط.

واكثر من ذلك لا تأتي قراءة ميقاتي من بيروت فحسب، بل من فيينا حيث كرست الجولة السابعة من المفاوضات الاميركية - الايرانية اقتناع العالم بأن ايران تحاول شراء الوقت للخبراء والعلماء الذين يعملون على انتاج اولى قنابلها النووية، والعودة الى المفاوضات بعدما تتأكد من انها سيطرت تماما في مكان آخر على الكلمة الفصل في عدد من الملفات الاساسية ومنها الملف اللبناني الاكثر تأثيرا والاقوى وقعا على طاولة اي مفاوضات مباشرة او غير مباشرة سواء مع الشرق او مع الغرب، وهو ما فتح الباب واسعا على صعود خيار البدائل الاخرى في مواجهة طهران ومنها الخيار العسكري الذي بات يحظى بضوء اخضر شبه شامل، اضافة الى صعود خيار عربي دولي يقضي بحتمية سحب الورقة اللبنانية من قبضة الايرانيين بأي ثمن...

ولا نبالغ هنا اذا نظرنا الى زيارة الامين العام للامم المتحدة انطونيو غوتيريش على انها جزء من قرار دولي يضع المنظومة الحاكمة في لبنان بين خيارين: اما الانتقال من احتلال ايراني خشن الى وصاية دولية ناعمة، واما الابقاء على عزلة شاملة يمكن ان تكون اسوأ من عزلة ايران نفسها...

من هنا، يمكن القول ان المواجهة في لبنان ليست الا تكملة متوازية للمواجهة القائمة في فيينا، أي الكباش الذي يتوقف على نتائجه مستقبل الصراع الايراني مع كل من اميركا واسرائيل والخليج، خصوصا ان حزب الله بات الطرف الذي يمدّ ايران بمقومات الصمود وليس العكس، وان لبنان بات يشكل الحلبة الوحيدة التي لم تسجل فيها ايران اي انتكاسة تشبه ما واجهته في العراق بعد الانتخابات الأخيرة، وفي سوريا في ظل الضربات الاسرائيلية المتلاحقة والموانع الروسية، وفي اليمن حيث باءت كل محاولات السيطرة على مأرب بالفشل، وحيث تمكنت السعودية من لم شمل الخليج وتكوين جبهة صلبة مدعومة من اميركا وفرنسا ومصر في مواجهة التحديات الايرانية... اضف الى ذلك، التراجع الخطير في شعبية حزب الله خارج بيئته، وامتداد هذا التراجع الى حليفه المسيحي، التيار الوطني الحر، الامر الذي وضعه، في حال قرر اللجوء الى السلاح، في مواجهةٍ انتحارية مع اكثر من نصف الشعب اللبناني الذي بات يدرك طوعا او قسرا ان لبنان الذي يبنيه حسن نصرالله لا يشبهه في مكان ولا يملك مقومات العيش بسلام في مكان آخر.

ومن هنا ايضا يمكن ان نفهم المساعي الاميركية الرامية الى ضخ بعض الحياة في قطاعات الكهرباء والزراعة والطبابة والامن، قبيل الانتخابات النيابية، في محاولة لتكرار التجربة العراقية، وهو امر تنبه له حزب الله وقابله بتشدد عقائدي وسياسي وقضائي وأمني في محاولة منه لتحويل سير الانتخابات نحو نتيجة ترضيه ولو بالقوة، والتمسك بكيان يحاول الامساك به وبكل الطرق المتاحة منذ تأسيسه عام ١٩٨٢، ولو ادى ذلك الى فكّ كل تحالفاته وتدمير الهيكل على رؤوس الجميع.

واستنادا الى هذا المشهد، يمكن القول ان ما يشهده لبنان يمثل الكباش السياسي الاكثر جدية بين حزب الله والأميركيين ودول الخليج، فاما يقود الى اسقاط محور الممانعة في صناديق الاقتراع، واما ينهكه من خلال عقوبات قاسية وشاملة، واما الى الجراحة التي واجهها ياسر عرفات عندما حول لبنان الى مقر لكل المنظمات الارهابية والتحررية في العالم.

ولا حاجة هنا لذكر ما اصاب "ابوعمار"، لكننا في حاجة الى التكهن بما يمكن ان يواجهه حزب الله الذي يساهم في حرب المسيّرات الايرانية في كل من اليمن والعراق وغزة، ويحتضن منظمات "حماس" الفلسطينية و'الوفاق" البحرينية و"الحشد" العراقية و"الحوثي" اليمنية، عندما يتقرر في مطابخ العالم ان لا شيء يجب ان يبقى كما هو عندما يطفح الكيل ويحين زمن القرارات الصعبة.

شارك الخبر

مواضيع ذات صلة:

Contact Us