​الديمقراطية الضحية

الراجح

​في حياتنا اللبنانية، ثمة مصطلحات يجري تداولها بكثافة في البيانات، واللقاءات، وأروقة التجمعات، والمؤتمرات، وخاصة تحت قبة مجلس النواب. وأكثر هذه المصطلحات تداولاً هو مصطلح “الديمقراطية”، وبناء النظام السياسي على أساس تداول السلطة من خلال صندوق الاقتراع؛ الذي بات أشبه بـ “صندوق الفرجة”! والغريب أنه رغم وجود “سلطة” في بلدنا الأزلي السرمدي، فإن أغلبية الناس مقتنعون تماماً بأن البلد بلا سلطة!

​والسلطة هنا ـ بالطبع ـ غير “السلَطة”؛ فالأولى تقدم نفسها للعالم على أنها نموذجية من كل النواحي، ولولا التآمر الخارجي المستمر عليها، لكانت تطورت وتفوقت حتى بلغت مصاف جمهورية أفلاطون الفاضلة!

​ومنذ بداية الاستقلال، بل منذ قيام دولة لبنان الكبير في عشرينيات القرن الماضي وحتى أيامنا هذه، هناك ركيزة ثابتة وحيدة لا تتغير اسمها “الزعيم”. وغالباً ما يكون لهذا الزعيم حزبٌ “شكليّ” لديه أدبيات سياسية جاهزة؛ مهمتها الوحيدة صياغة التبريرات، وتقوم على مطلب أساسي يكاد يكون وحيداً وهو “الديمقراطية” التي يسعى إليها أي شعب يطمح للإصلاح، والنهضة، وبناء مشروع وطني.. لكن المفارقة تكمن في تبني الحزب لهذه الديمقراطية دون أي تزام حقيقي بها، أو جعلها ظاهرةً مكوِّنةً للمجتمع وللنظام السياسي.

​إن الظاهرة الكونية التي يتميز بها واقعنا، هي أن “الأكثرية الحزبية” تختزل الحزب في شخص الزعيم؛ فأجهزة الحياة السياسية ـ سواء كانت في المعارضة أو الموالاة، لا فرق ـ متمسكة لفظياً بمفردة الديمقراطية، وتدعو بنبرة حازمة إلى تبنيها… من قبل الآخرين طبعاً!

​إن أي حزب سياسي وُلِد، تحت أي مسمى أو شعار أو برنامج، ظل يهدف إلى تعظيم “الرجل الأول” (الزعيم)، حتى ولو جرى انتخابه شكلياً داخل الحزب. وفي المراحل الأخيرة تم الاستغناء عن الانتخابات داخل الأحزاب الحاكمة رغم شكليتها لسنوات وسنوات؛ خشية إضاعة الوقت الثمين المخصص غالباً للمناكفات الداخلية.. ولا مانع بالطبع من أن تتطور هذه المناكفات مستقبلًا إلى صراعات أهلية!

​لقد تعرض الشعب اللبناني ـ الذي تتصدر التيارات، والأحزاب، والتجمعات واجهته السياسية ـ لحروب عبثية بلغت حد الكوارث، وأدت إلى ما لا يعد ولا يحصى من الخسائر المادية والبشرية، وخسارة أجزاء من أرض الوطن. ومع ذلك، لم نُجرِ ولو لمرة واحدة مراجعةً أمينة وموضوعية لما حدث؛ وكانت المصيبة الكبرى أننا لا نرى أي خطط أو برامج لتفادي تكرار تلك المآسي. بل نجد دائماً منطق الدفاع الخشبي، وتبرير المواقف، وسياسات التحالفات، وكأن الجميع كانوا يسيرون على “الصراط المستقيم”، لولا آخرون يوصفون في العادة بالأعداء الداخليين والخارجيين، وهم وحدهم من حرفوهم عن المسار نحو الجمهورية الفاضلة!

​إن ثبات الزعامات، وقواها السياسية القائمة على ما هو غير شرعي، أفشل كل مساعي التغيير ومطالب الإصلاح في مهدها، رغم كل ما حدث في الماضي وما سيحدث في المستقبل.

​لقد اعتقد البعض واهماً أن الديمقراطية هي معايير، ونهج، وأدوات حكم، والتزام، وأن على أي طرف يريد تطبيق هذه المبادئ أن يتحلى بقدر من المصداقية؛ لكننا وجدنا في مرحلتنا السياسية الحالية المكتظة بالانتكاسات، أن الديمقراطية كلها تتلخص في شيء واحد: “خلود الزعامات” (التي لا نجاة منها)، باعتبارها الممثل الشرعي الوحيد لبنية النظام والمجلس الحاضن لها!

شارك المقال