تواجه الولايات المتحدة مأزقاً واضحاً في التعامل مع إيران. فالتدخل البري المباشر يبدو خياراً مستبعداً بسبب كلفته العالية، بينما لا تضمن الضربات الجوية وحدها تغيير النظام أو إنهاء قدرته على تهديد جيرانه وممرات الطاقة، وفي مقدمتها مضيق هرمز.
من هنا تبرز فكرة تبدو، للوهلة الأولى، بسيطة وجذرية: نقل القوى المسلحة غير الحكومية الموجودة في ليبيا والسودان إلى مسرح الصراع الإيراني، وفي مقدمتها التشكيلات الليبية وقوات الدعم السريع، بحيث تتحول من مشكلة إقليمية إلى أداة ضغط على النظام الإيراني.
وفق هذا التصور، يمكن لهذه القوات أن تؤدي أدواراً متعددة: دعم الجهود الرامية إلى إضعاف النظام، أو السيطرة على مناطق استراتيجية إذا انهارت السلطة المركزية، أو تشكيل قوة ضغط على السواحل والممرات الحيوية لمصلحة المجتمع الدولي، أو فتح بؤر توتر داخلية، بما يضع النظام أمام خصوم مسلحين في بيئته الجغرافية نفسها.
وقد تكون المفارقة الكبرى أن إخراج هذه القوى من ليبيا والسودان قد يساهم، نظرياً، في حل جزء من المعضلة المستعصية في البلدين. فالميليشيات التي تمثل عائقاً أمام بناء الدولة هناك يمكن أن تتحول، في مسرح آخر، إلى أدوات إيجابية في صراع دولي أكبر.
وحتى الصورة السياسية لهذه القوى قد تتغير جذرياً. فالمقاتل الذي يُنظر إليه في بلده بوصفه ميليشياوياً أو مرتزقاً قد يُعاد تقديمه، في سياق حرب مختلفة، بوصفه «مجاهداً» أو «فاتحاً» أو قوة تحرر، وفق الخطاب الذي ستتبناه الأطراف الداعمة له.
لكن هذه الفكرة تحمل تناقضها في داخلها. فالقوة التي يمكن استخدامها لإضعاف النظام الإيراني قد تتحول إلى مشكلة جديدة في إيران نفسها، كما أن نقل الميليشيات لا يلغي طبيعتها ولا يضمن خضوعها لمن يستخدمها. وقد يؤدي انهيار النظام —مع وجود هذه الميليشيات— إلى فراغ أمني وحرب أهلية أوسع، بدلاً من قيام نظام منسجم مع الغرب والعرب.
ومع ذلك، تظل الفكرة جديرة بالنقاش لأنها تطرح سؤالاً جوهرياً: هل يمكن أن تكون الميليشيات، التي عجزت الدول عن تفكيكها في ليبيا والسودان، جزءاً من الحل في الصراع الأكبر بدلاً من أن تبقى جزءاً من المشكلة؟ أم إن نقل هذه الميليشيات إلى إيران سيعطي مفعولاً عكسياً، ليؤدي إلى التفاف الإيرانيين – والمتأيرنين – حول نظامهم المتهالك والمتهافت؟
قد ترى واشنطن في الميليشيات «القطعة الناقصة» التي تمنحها أخيراً ما تفتقده: قوة برية تدير الصراع على الأرض الإيرانية وتتجنب المظهر الاستعماري للغزو المباشر. غير أن الرهان على «قطعة» بهذه الخطورة، في الحسابات الواقعية، قد يفتح أبواباً مغلقة للشرق الأوسط لا يمكن لأحد السيطرة عليها… لكن أمام مغريات إنهاء الكابوس الإيراني إلى الأبد، تبقى الجائزة في طهران كبيرة إلى حدٍّ يجعل حتى فتح أبواب جهنم… مغامرةً تصعب مقاومتها.


