كازاخستان: صراع على السلطة أم محاولة انقلاب إرهابي؟

سياسة 12 كانون الثاني , 2022 - 12:15 ص

مجموعة لبنان الكبير على واتساب

بعد أكثر من أسبوع على اندلاع الاحتجاجات الشعبية والاشتباكات المسلحة في كازاخستان، أعلن الرئيس الكازاخستاني قاسم جومارت توكاييف أن بلاده نجت من محاولة انقلاب دبّرها ما سمّاه "مجموعة منفردة"، وأنه تمّت استعادة النظام في البلاد، لكن ملاحقة "الإرهابيين" مستمرة.

إذاً، يبدو اندلاع العنف في أكبر دولة في آسيا الوسطى، جزءًا من هذا الصراع المفاجئ على السلطة. بدأت الاحتجاجات التي اندلعت بسبب ارتفاع أسعار الوقود في مدينتي زناوزين وأكتاو في مقاطعة مينغيستاو في غرب البلاد في 2 كانون الثاني / يناير وانتشرت في جميع أنحاء البلاد في غضون ساعات وتحولت من احتجاجات شعبية ذات طابع اجتماعي إلى محاولة الاستيلاء على السلطة في ألما آتا والعاصمة نور سلطان.

وقال توكاييف في بيان الاثنين أنّ "عملاً عدوانياً منظَّماً وجيد الإعداد حدث ضد كازاخستان بمشاركة مقاتلين أجانب، وخصوصاً من دول آسيا الوسطى، بما في ذلك أفغانستان. وكان هناك أيضاً مقاتلون من الشرق الأوسط". وأشار البيان إلى أنّ "الفكرة من هذا العدوان هي إقامة منطقة من الفوضى الخاضعة، من أجل السيطرة على أراضي كازاخستان، والاستيلاء على السلطة لاحقاً".

وقال توكاييف إن "قطاع الطرق والإرهابيين مدربون جيدًا ومنظمون ويخضعون لقيادة مركز خاص"، يتخذ من الخارج مقراً له.

مع ذلك، لا تزال الصورة يشوبها الغموض حول حقيقة أسباب هذه الاحتجاجات وأعمال الشغب ومن ثم الاشتباكات المسلحة ومن يحرك هؤلاء المسلحين ويسلّحهم ويموّلهم، وعددهم بالآلاف، قدّرهم توكاييف بعشرين ألف مسلح، جزء منهم من خارج كازاخستان.

واضطر توكاييف إلى طلب مساعدة عسكرية خارجية من منظمة معاهدة الأمن الجماعي، للسيطرة على الوضع الأمني في العاصمة وآلما أتا، أكبر مدن البلاد، وغرب البلاد حيث بدأت أعمال الشغب على خلفية الاحتجاج على رفع سعر الغاز المسال.

الصراع على السلطة

عرض تحليل للصحافي الأميركي تيم ليستر، في شبكة "سي إن إن" الأميركية، رواية مختلفة لخلفية الاضطرابات في كازاخستان، تقوم على صراع على السلطة بين توكاييف ومعلّمه الرئيس السابق نور سلطان نزارباييف.

ويقول الكاتب إن توكاييف، بقليل من المساعدة من موسكو، قلب الطاولة بلا رحمة على معلمه، نزارباييف، الرجل الذي حكم كازاخستان منذ الاستقلال عام 1991 حتى عام 2019 وكان لا يزال يُعرف باسم زعيم الأمة، حتى الأربعاء الماضي.

صحيفة "واشنطن بوست" الأميركية قالت إنه "مع انتشار الاحتجاجات، تحوّل التركيز من الغضب من ارتفاع أسعار الوقود إلى استهداف النظام السياسي الأوتوقراطي بقيادة نزارباييف، الذي حكم الأمة لمدة ثلاثة عقود ويحمل الآن اللقب الرسمي زعيم الأمة". وأضافت: "تغيرت رواية الحكومة أيضًا. بدأ توكاييف، الرئيس الذي اختاره نزارباييف، في توجيه أصابع الاتهام إلى قطاع الطرق والإرهابيين المحليين والأجانب والحديث عن مؤامرة داخلية لإثارة الفوضى".

اتخذ توكاييف في البداية خطوات لمحاولة تهدئة المحتجين. ألغت الحكومة زيادات أسعار الوقود، وأقال توكاييف حكومته وأقال نزارباييف من منصب أمني قوي، هو رئاسة مجلس الأمن القومي.

وبعد أن اقتحم المتظاهرون في آلما أتا، أكبر مدينة في كازاخستان، المباني الحكومية الأربعاء وسيطروا لفترة وجيزة على مطارها، اتخذ توكاييف نبرة أكثر تشددًا. وزعم أن "الجماعات الإرهابية الدولية" قد استولت على أجزاء من المدينة وطلب المساعدة من منظمة معاهدة الأمن الجماعي، وهي تحالف أمني من بعض دول الاتحاد السوفياتي السابق تقوده روسيا. وبدأت القوات الروسية تصل كازاخستان الخميس.

كما ألقت روسيا والصين باللوم على جماعات أجنبية لم تسمّها في تأجيج الاضطرابات.

السلطات الكازاخستانية لم تقدم بعد أي دليل على تورط دول خارجية. والمعلومات المباشرة والقابلة للتحقّق عن التظاهرات والمشاركين شحيحة. ولا يزال الإنترنت في كازاخستان محجوبًا إلى حد كبير وتم منع الصحافيين الأجانب من الدخول.

وقالت ميليندا هارينغ، نائبة مدير مركز أوراسيا التابع للمجلس الأطلسي: "هذه الادعاءات ليست هزيلة. إنها ادعاءات سخيفة". وأوضحت أن الإشارة إلى "الرجل الأجنبي" هي خطوة "نموذجية" في دول الاتحاد السوفياتي السابق لصرف السخط المحلي.

وأشارت الصحيفة إلى أن العديد من الخبراء في شؤون كازاخستان رفضوا ادعاء توكاييف أن 20 ألف "إرهابي" أو مجرم قد يكونون متورطين في احتجاجات آلما أتا باعتباره زعمًا غير قابل للتصديق.

وتساءلت "واشنطن بوست": "لماذا تروّج كازاخستان وحلفاؤها الإقليميون تلك الرواية؟ وأجابت قائلة إن توكاييف وروسيا وأعضاء آخرين في التحالف العسكري لمنظمة معاهدة الأمن الجماعي بقيادة روسيا قد أشاروا إلى تحريض خارجي مزعوم للتظاهرات لتبرير أول نشر للمنظمة لقوات "حفظ السلام" في كازاخستان. فقد تم تشكيل هذا التحالف الأمني ​​عام 1992 بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، وهو يضم كازاخستان وروسيا وأرمينيا وبيلاروسيا وقيرغيزستان وطاجيكستان. ومن المفترض أن تنشر المجموعة قوات فقط لمساعدة دولة عضو تواجه تهديدًا خارجيًا".

بالنسبة لتوكاييف، قد تخدم التعزيزات الإقليمية غرضًا سياسيًا داخليًا. وقال أركادي دوبنوف، خبير آسيا الوسطى، إن الرئيس توكاييف يبدو أنه يستخدم الاضطرابات لتهميش نزارباييف والتخلص من نظام السلطة المزدوجة في البلاد. وقالت هارينغ إن تدخل منظمة معاهدة الأمن الجماعي أظهر أن الحلفاء الإقليميين يدعمون توكاييف.

وتتمتع كازاخستان تقليديًا بعلاقات متوازنة بين روسيا والصين والغرب. وحسب هارينغ، أتاحت العملية لروسيا فرصة لتوسيع نفوذها في كازاخستان والمنطقة. فالعملية عززت كذلك موقف روسيا في الدخول في محادثات مع الولايات المتحدة بشأن أوكرانيا.

الكثير من الظروف التي أحاطت ببدء أعمال العنف لا تزال غامضة. لكن هارينغ قالت إن "قطاع الطرق" استغلوا على ما يبدو الاحتجاجات السلمية في البداية.

واقترح بعض المحللين أن القوة الدافعة وراء الهجمات العنيفة والنهب كانت الشباب خارج المدينة، المعروفين باسم "المامبيت"، الذين ربما تم إحضارهم من المناطق الريفية الفقيرة في كازاخستان إلى المدن وتحفيزهم على اختطاف التظاهرات.

وقد اتخذت رواية الحكومة بعدًا جديدًا السبت عندما أعلنت السلطات اعتقال كريم ماسيموف، العضو الذي أقيل مؤخرًا من لجنة الأمن القومي للبلاد، للاشتباه في الخيانة. كما تم اعتقال عدد من المسؤولين الآخرين.

وجاء اعتقال ماسيموف بعد يوم من إجراء مستشار سابق لنزارباييف مقابلة تلفزيونية اتهم فيها قادة الأمن بإخفاء معلومات حول "معسكرات تدريب المتشددين" الذي زعم أنها تجهز المقاتلين لإطاحة الرئيس توكاييف.

وقال ألكسندر جابيف، الزميل البارز في مركز كارنيغي في موسكو، إن ماسيموف قُدم كبش فداء مناسبًا للحكومة. ويُنظر إليه على أنه حليف قوي لنزارباييف، ويمكن أن يساعد اعتقاله توكاييف على تعزيز سيطرته على جهاز الأمن في البلاد.

ويقول المحللون إن كازاخستان دخلت الآن فترة انتقالية صعبة لكن توكاييف خرج منتصرًا في الجولة الأولى. لكن لعبة القوة الظاهرة قد تأتي على حساب السيادة الكازاخستانية حيث ستكتسب روسيا نفوذًا متزايدًا في البلاد.

ليستر، محلل "سي إن إن"، قال إنه بينما كانت أصوات إطلاق النار تتردّد في مدينة ألما آتا في 5 كانون الثاني / يناير الجاري، تخلى توكاييف عن النبرة المعتدلة التي استخدمها عندما بدأت الاحتجاجات، وأطلق انقلابًا في القصر. وكان تصرفه السريع أكثر إثارة للدهشة لأن توكاييف كان يُنظر إليه على أنه تكنوقراطي حضري لا يزال مدينًا لنزارباييف، الذي اختاره خليفة له عام 2019.

وقالت كيت مالينسون، المحللة في شؤون آسيا الوسطى في مجموعة بريزم للمخاطر السياسية ومقرها لندن، إن التحرك السريع ضد حلفاء نزارباييف "جاء بمثابة صدمة. في كازاخستان كل شيء بيروقراطي - لكن ليس هذه المرة".

وقال بول سترونسكي، من مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، إن توكاييف اتخذ "خطوات جريئة جدًا لشخص يُنظر إليه على أنه دمية" في يد نزارباييف.

ففي غضون ساعات قليلة، فقد نزارباييف منصبه كرئيس لمجلس الأمن، وهو المنصب الذي أسنده توكاييف لنفسه. كما أبعد توكاييف رئيس الوزراء عسكر مامين، الذي تم تعيينه في الأصل قبل فترة وجيزة من مغادرة نزارباييف لمنصبه، بالإضافة إلى العديد من الموالين لنزارباييف.

ويقول سترونسكي إن "صراعًا هائلاً يدور بين النخبة في كازاخستان"، ومن الصعب التكهن بكيفية تطوره.

وعلى الرغم من افتقاره إلى قاعدة للسلطة يمكن مقارنتها بقاعدة نزارباييف، لكن يبدو أن توكاييف قد حسب أن الرابطة مع معلّمه قد أضحت مكلفة وضارة، وسط غضب شعبي واسع النطاق بشأن البطالة وغلاء المعيشة والفساد المستشري بين النخبة المرتبطة ارتباطًا وثيقًا بنزارباييف.

وكان توكاييف يدرك بالفعل أن إرث نزارباييف كان نعمة ونقمة في آنٍ معًا. قبل نحو ثلاث سنوات، كان يتلقى الاحتجاجات عندما تم تغيير اسم العاصمة إلى نور سلطان تكريمًا لنزارباييف. توقف توكاييف الأسبوع الماضي عن استخدام الاسم في الإشارة إلى العاصمة، التي كانت تسمّى آستانة.

قد تكون تصرفات توكاييف في الخامس من كانون الثاني/ يناير استباقية، وفقًا للمحللين. وكشفت مالينسون أن رئيس الاستخبارات السابق القوي كريم ماسيموف قال لتوكاييف الجمعة إن عائلة نزارباييف فقدت الثقة به و"أن وقته قد انتهى". لكن توكاييف طرد ماسيموف، واستبدله برئيس دائرة الحماية الرئاسية. وفي اليوم التالي، تم اعتقال ماسيموف وأشخاص آخرين للاشتباه في ارتكابهم الخيانة العظمى.

وصرّح يرموخاميت يرتيسباييف، المستشار السابق للرئيس السابق نزارباييف، قائلاً إن أحد أسباب الأزمة في البلاد هو خيانة بعض كبار المسؤولين. ووصف ما حدث في البلاد بأنه "محاولة انقلاب وتمرد مسلح"، وقال: "إن حجم محاولة الانقلاب هذه والتمرد المسلح صادم، وهي محاولة منظمة وقوية، كان من المستحيل تنفيذها من دون خونة من أعلى مستويات السلطة، وخاصة السلطات التنفيذية".

وتولى ماسيموف، 56 عامًا، منذ عام 2000 عدداً من المناصب المهمة من وزير للنقل إلى نائب لرئيس الوزراء، ومستشار للرئيس السابق نزارباييف (2003-2006)، ثم رئيسًا لإدارته (2012-2014)، ورئيس وزراء (2007-2012 و2014-2016)، وترأس لجنة الأمن القومي عام 2016، واحتفظ بهذا المنصب بعد تولي توكاييف منصب الرئيس خلفًا لنزارباييف.

لكن توكاييف قام بتحرك جريء عندما أدخل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في الصراع. فعندما طرد توكاييف أي شخص يعتقد أنه قد يشكل تهديدًا، اضطر إلى اللجوء إلى منظمة معاهدة الأمن الجماعي بقيادة روسيا طالباً منها إرسال قوات حفظ السلام وهو طلب تم قبوله بسرعة. وكانت رسالة توكاييف إلى خصومه واضحة: موسكو إلى جانبي.

كتب فيودور لوكيانوف، مدير الأبحاث في نادي فالداي في موسكو، في موقع "روسيا اليوم" بالإنكليزية يقول إن السؤال هو ما إذا كان "نشر قوات حفظ السلام التابعة لمنظمة معاهدة الأمن الجماعي سينهي التنافس بين العشائر في كازاخستان".

ويرى سترونسكي أن التدخل الروسي قد يضر لاحقاً بالرئيس توكاييف. فبالنسبة للطبقة الوسطى في كازاخستان، "الاستقرار مرحب به، لكن الاضطرار إلى الاعتماد على الروس ليس كذلك".

المحللة مالينسون تقول "إن معارفها في كازاخستان غاضبون بشأن وصول الروس. وإذا أراد توكاييف الاحتفاظ بمصداقيته، فسيتعين عليهم الرحيل في غضون أيام. لكن لا يوجد شيء اسمه وجبة غداء مجانية مع بوتين".

وكما قال وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكين الجمعة الماضي: "بمجرد دخول الروس إلى منزلك، يصعب أحيانًا حملهم على المغادرة".

ماذا حدث في سان بطرسبرغ؟

قد تكون روسيا، التي لديها حدود بطول 7600 كيلومتر مع كازاخستان، قلقة بالفعل بشأن الصراع داخل القيادة الكازاخستانية. ففي 28 كانون الأول / ديسمبر الماضي كان كل من توكاييف ونزاربايف في سان بطرسبرغ للقاء بوتين، إلى جانب زعماء دول سوفياتية سابقة أخرى.

وقالت مالينسون إنه كانت هناك على ما يبدو توترات بين الزعيمين الكازاخستانيين في الاجتماع. وربما أرسل الكرملين إشارات حول من المفضل لديه، من خلال تسليط الضوء على محادثة ثنائية بين بوتين وتوكاييف، الذي وقف أيضًا إلى جانب الزعيم الروسي في الصورة الجماعية.

وتحدث بوتين بانتظام مع توكاييف منذ 5 كانون الثاني / يناير، لكن الكرملين لم يقل شيئًا عن أي اتصالات مع نزارباييف.

فترة انتقالية صعبة

يرى المراقبون أن أحداث الأسبوع الماضي هي مجرد الحلقة الأولى في انتقال طويل وصعب في كازاخستان. الركود الاقتصادي، وجيل الشباب المضطرب، ورهان توكاييف على القمع هي مزيج قابل للاشتعال.

حتى لو فقدت عائلة نزارباييف رافعات سلطتهم السياسية، فإنهم محصنون بين القلة الكازاخستانية التي تقدر ثرواتها بمليارات الدولارات والذين يسيطرون على صناعات النفط والغاز وجزء كبير من القطاع المصرفي، والذين خبأوا مليارات الدولارات في الخارج. قدّر تقرير حديث لشركة تشاتام هاوس أن هذه النخبة تمتلك عقارات لا تقل عن 720 مليون دولار في لندن وحدها.

لذلك سيكون الأمر بالغ الأهمية لمعرفة كيف وما إذا كانوا سيتوافقون مع النظام الجديد. فالقوة الاقتصادية الهائلة لحلفاء نزارباييف تعني أننا ما زلنا في بدايات فهم هذا الصراع على السلطة. ويرى المراقبون أنه سيكون من الصعب للغاية حكم البلاد وتفكيك هذا النظام الذي تم تكوينه من قبل نزارباييف.

ويقول زاكاري ويتلين، كبير المحللين في مجموعة أوراسيا، إن الوضع في كازاخستان "قد يبدو مثل بيلاروسيا، التي لا تزال قيادتها في أزمة شرعية مستمرة، ويعتمد النظام على دولة بوليسية قمعية".

صحيح أن سياسات كازاخستان كانت دائماً غامضة وبيروقراطية، لكن في الأيام القليلة الماضية، تخلى توكاييف عن صورته كحاكم عديم اللون، وكيل للزعيم نزارباييف. فالرجل الذي وصف نفسه بأنه "الرئيس المستمع" عندما تولى منصب الرئاسة عام 2019، يقوم الآن بتعزيز قبضته على السلطة.


هيثم مزاحم - رئيس مركز الدراسات الآسيوية والصينية.

شارك الخبر

مواضيع ذات صلة:

Contact Us