قائد الجيش وطرابلس: ما له وما عليه

سياسة 11 شباط , 2022 - 12:07 ص

مجموعة لبنان الكبير على واتساب

شكّلت زيارة قائد الجيش العماد جوزف عون إلى طرابلس نقطة فاصلة ورئيسية في امتحانٍ صعب تمرّ به المدينة على الصعيدين الأمني والسياسي، فبعد جولته التي حدّدها مسبقاً بالاتفاق مع رئيس الحكومة نجيب ميقاتي، وركّز فيها على زيارة الفاعليات الدينية الرئيسية في المدينة إسلامياً ومسيحياً، يُمكن القول انه بعد كل التطمينات والايجابية التي عرّفت بها هذه الزيارة، لم تخفِ مصادر لـ "لبنان الكبير" خوفها وقلقها الكبيريْن من احتمال تفجير الوضع الأمنيّ بدءاً من طرابلس لمآرب مرتبطة بالانتخابات النيابية، وهذا ما يُفسّر زيارته في وقتٍ تنزلق فيه المدينة شيئاً فشيئاً في سيناريو الارهاب، وبعد جريمة قتل طالت عضو الحزب "السوري القومي الاجتماعي" في طرابلس أحمد الأيوبي والحديث عن احتمال استهداف العسكري الذي كان معه أثناء الحادثة، مما يزيد من حدّة الإرباك الأمني.

وكان العماد عون التقى مفتي طرابلس والشمال الشيخ محمّد إمام في دار الإفتاء، وراعي أبرشية طرابلس المارونية المطران يوسف سويف، وراعي أبرشية طرابلس للروم الأرثوذكس المطران أفرام كرياكوس، والأرشمندريت الياس بستاني ممثلًا راعي أبرشية طرابلس والشمال للروم الملكيين الكاثوليك المطران ادوار ضاهر، وختم زيارته بلقاء أجراه في المجلس الاسلامي العلوي في جبل محسن، مع القائم بأعمال رئاسة المجلس الشيخ محمّد عصفور. ورافق هذه الزيارة انتشار واسع لعناصر الجيش في كل المدينة التي تنقل فيها قائد الجيش بين منطقة وأخرى، وشدّد على أن المؤسسة العسكرية لا تزال موجودة وفاعلة في مدينة تعترف باحترامها لقيادة الجيش وتمسكها بها، على الرغم من عدم احترامها لقيادات أمنية أخرى ترى أنها ظلمت أهالي طرابلس وأهانتهم لا سيما أهالي الموقوفين الاسلاميين، واستغلت ملفهم أمنياً وسياسياً لأعوام، فضلاً عن ملفات أخرى أهملت فيها الدولة أبناء هذه المدينة الذين يشعرون بأنّهم حمل ثقيل عليها بسبب سياساتها التي انتهجتها معهم عسكرياً، أمنياً وسياسياً.

ولم يكن حال سياسيي طرابلس أفضل من سياسيي لبنان في رؤيتهم للمدينة، إذ كانت ولا تزال صندوق بريد لارسال وتلقّي رسائل سياسية بغلاف أمني، وهذا ما يُفسر وقوع أكثر من 20 جولة عنف بين جبل محسن وباب التبانة، وصولاً إلى ظهور الإرهاب بشكلٍ مفاجئ، كلعبة "السحبة" في حياة الطرابلسيين أخيراً.

ظروف أمنية صعبة

ليست المرّة الأولى يزور قائد الجيش هذه المدينة، كما أنّها ليست المرّة الأولى يُعلن عدم تهاونه مع أيّ عابث باستقرارها وأمنها "كائنًا من كان". وكان قد حذر في زيارته العام الماضي أنّه "من غير المسموح لأيّ كان المسّ بأمن مدينة طرابلس". وتفقد خلال هذه الزيارة الأوضاع الميدانية في المدينة بعد توترات شهدتها عقب احتجاجات ندّدت بسوء الأوضاع المعيشية. أما زيارته منذ أيام، فتأتي في ظروف أصعب أمنياً في ظل عودة الحديث عن "داعش" واتجاه بعض الشبان إليه وغيرها من الحوادث الأمنية التي كان على الدولة تحمّل مسؤوليتها فيها.

وبما أن الحوادث الأمنية في الفترة الأخيرة باتت ترتبط بمصطلح الإرهاب واختيار بعض القيادات السياسية هذا المفهوم طرابلسياً، كبيان الحزب "السوري القومي الاجتماعي" الذي أكّد أن "الشهيد الرفيق أحمد الأيوبي من القوميين المنخرطين في العمل المقاوم ضدّ الإرهاب والاحتلال، مما يضع جريمة اغتياله في سياق عودة مسلسل الأعمال الإرهابية التي تستهدف المقاومين وأمن واستقرار طرابلس وكلّ لبنان". وربط هذه الجريمة بوجود العسكري الذي أشير إلى إصابته بجروح بالغة، مما يفتح الباب أمام الشائعات التي تضع المدينة "على كفّ عفريت". كما تُفيد هذه الحوادث الامنية قوى سياسية تُريد تنفيذ "خضة أمنية" إمّا منعاً للاستحقاق المقبل، أو لاستعطاف فئات شعبية دعماً للوائح القادمة، وذلك بافتعال أزمة وضرب الأمن والادّعاء بحماية البلاد عبر مقاومة الإرهاب والاحتلال بشعارات "رنّانة".

ومن الملفت، أنّ قائد الجيش بزيارته هذه أصاب رسائل عدّة أبرزها، تحميل القيادات الدينية مسؤولياتها في التعامل مع الشباب منعاً للانجرار إلى الفتن، مما دفع هذه القيادات إلى الحديث عن مسألة وثائق الاتصال التي تُهدّد الكثير من الشبان وهي غير قانونية وفق ما تُؤكّد مرجعيات قضائية لـ "لبنان الكبير"، إضافة إلى ملفات أخرى وعد العماد عون بحلّها ليُحافظ على الاستقرار الأمني. كما أنّه لم يقم بزيارة السياسيين من طرابلس، وعلى الرغم من تنسيقه الإيجابي مع الرئيس ميقاتي إلا أنّه من المعروف عنه أنّه قد يزور الرؤساء الثلاثة لكنه لا يقوم بتلبية دعوات الى منازل السياسيين ولا يُبادر اليها، وهذا ما ينفي المعلومات التي تُشير إلى أنّه يُفكّر في رئاسة الجمهورية مما يدفعه إلى زيارة طرابلس في هذا التوقيت. وحسب المتابعين فإنّ العماد عون وسط هذه الظروف المعقّدة أمنياً وسياسيًاً لا يُخطّط لهذه الرئاسة، على الرغم من علاقاته الإيجابية مع مختلف الأطراف السياسية.

لكن اللافت في حديثه، اعتباره أنّه لا يجوز أن يكون الفقر دافعاً إلى حالات شاذة، كالمخدّرات، والجريمة والإرهاب، مع العلم أنّ مدناً لبنانية أخرى تُواجه أيضاً آفة المخدّرات وتنخرط في تنظيمات مسلّحة إرهابية بمستوى عالٍ من التنظيم لتشترك من خلالها في حروب وصراعات إقليمية، لكنّه لم يقم بزيارة هذه المناطق ولم يتوجّه بهذه النصيحة إلى هذه الفئة بقياداتها وعناصرها التي لم يكن الفقر دافعها الرئيسي بل العقيدة، ولم يلُم قياداتها التي تتهم المؤسسة بـ "الأمركة". أمّا في طرابلس، فلم تُحركهم (إنْ تحدّثنا في الآونة الأخيرة) العقيدة الداعشية المرفوضة رفضاً قاطعاً في المدينة، ولم يكن الفقر السبب الرئيسي لهذه الحوادث، إذ يجهل أهالي الكثير من الشبان الدافع الرئيسي لذهابهم إلى العراق. كما تُشدّد مرجعيات قانونية من طرابلس على أسباب أمنية كوثائق الاتصال وملفات أمنية دقيقة أم لا، صحيحة أم لا، دفعت معظم الشبان إلى التوجه نحو العراق، وأنّ بعض الشبان وهم قلّة ذهبوا اليها بسبب المال، لكن من دون تحديد ما إذا كانوا يُدركون أنّهم يتوجهون إلى الموت بأقدامهم أم أنهم كانوا في غفلة عن المأساة التي تنتظرهم.

شارك الخبر

مواضيع ذات صلة:

Contact Us