التنازل عن الـ 29 أو الحرب... والتحكيم الدولي لن ينفع

سياسة 15 حزيران , 2022 - 12:09 ص

 

شغل اللبنانيين الشاغل اليوم هو ملف ترسيم الحدود البحرية، فهم يريدون أن يعرفوا ما اذا كان لبنان سيستطيع تحصيل حقوقه، وتحديداً مع جولات الوسيط الأميركي آموس هوكشتاين على المسؤولين امس. والموقف يجب أن يكون من مكان واحد، وليس جوجلة أفكار الرئاسات والقيادات اللبنانية، إلا أن معلومات "لبنان الكبير" أكدت أن هوكشتاين سمع موقفاً موحداً من الجميع: الخط 23+، أي حقل قانا كاملاً، وكذلك رفع الفيتو غير المعلن عن الشركات النفطية والسماح لها بالتنقيب في لبنان، ولكن الاسرائيلي يحاول ومن خلفه الأميركي المناورة، والحصول على جزء من خط قانا، وهو ما ترفضه القوى اللبنانية جميعها، وإذا تم الإصرار عليه، فعندها لبنان سيصعّد، وسيوقع رئيس الجمهورية ميشال عون تعديل المرسوم 6433، وسيكلف "حزب الله" رسمياً من الدولة اللبنانية باتخاذ الاجراءات المناسبة لمنع اسرائيل من التنقيب، وهذا ما قد يشعل حرباً، لا يريدها أي من الجانبين، ولا سيما أن الجميع مستعجل على استخراج الغاز، وتحديداً أوروبا.

تقنياً، حق لبنان بالخط 29، أمر معلوم لدى الجميع، عند القوى اللبنانية، وعند أميركا واسرائيل، التي تعلم أن لبنان لن يستطيع الافادة منه، بل لن يستطيع الافادة من أي من ثرواته في البلوكات النفطية كلها، طالما أن أميركا تستطيع بنفوذها منع الشركات العالمية من التنقيب، وحتى لو تخطى لبنان ذلك وأنشأ مشاريعه الخاصة للتنقيب، فلن يكون بإمكانه تصدير الغاز المستخرج، ولن تجرؤ الأسواق العالمية على مخالفة الادارة الأميركية.

وبعيداً من المزايدات التي قام بها فريق رئيس الجمهورية، و"التيار الوطني الحر"، الذي كان يعلم مسبقاً أنه لا يمكن توقيع تعديل المرسوم 6433، لأن أميركا ستخرج من التفاوض، وهذا ما أبلغته الى المسؤولين اللبنانيين، ولكنه أراد تسجيل النقاط في مرمى عين التينة عبر اتهام الرئيس نبيه بري بالتنازل عن مساحات معينة، ثم محاولة تسجيل هدف في مرمى بنشعي، كلها باءت بالفشل، وانقلب السحر على الساحر، مما تسبب بإحباط لدى اللبنانيين وأظهر أن الدولة تخاذلت وتنازلت، فهل هناك سوابق شبيهة بالحالة اللبنانية؟ وكيف كان يمكن للبنان المحافظة على حقوقه؟ وهل التحكيم الدولي هو الحل؟

أستاذ القانون الدولي في الجامعة اللبنانية حسن الجوني أوضح في حديث لموقع "لبنان الكبير" أن "كل قانون البحار هو عبارة عن اتفاقات بين الدول، هناك دول تقبل به ودول ترفضه، وعند الخلاف تذهب الدول إلى التحكيم الدولي. ولكن، لا يمكن إجبار أي دولة على الذهاب إلى التحكيم، يجب أن تتفق الدولتان على ذلك، وتعتبران أن محكمة العدل الدولية هي التي تفصل في نزاعهما، وهناك طريقة لفرض التحكيم الدولي على دولة ترفض الذهاب إليه، ولكنها طريقة معقدة وتأخذ وقتاً طويلاً".

وقال: "في الواقع أنا شخصياً ضد التوجه إلى التحكيم الدولي، أولاً لأن اسرائيل من المؤكد سترفض، كذلك فإن هذا معناه أن لبنان يعترف بها كدولة، وأيضاً هناك إشكالية كيف يمكن تطبيق قرار التحكيم. فمنذ مدة مثلاً كان هناك خلاف بين الصين وفيتنام، واتجه البلدان إلى محكمة العدل الدولية، وصدر الحكم لصالح فيتنام، ورفضت الصين تنفيذ القرار، ولا أحد يستطيع إلزامها بتنفيذه اليوم. كذلك خسرت الولايات المتحدة قضية أمام نيكاراغوا، وبعدها قررت عدم تنفيذ الحكم، ولا أحد يستطيع إلزامها، علماً أن مجلس الأمن في مواده الخاصة هناك بنود ومواد يستطيع اللجوء إليها الطرف الذي يطالب بتنفيذ المقررات الدولية، ولكنها ستواجه بانقسامات الآراء والمحاور في المجلس، عدا عن الفيتو، وبالتالي لا يستطيع لبنان الاعتماد على مجلس الأمن".

وأشار الجوني من جهة أخرى، الى أن العالم ليس أميركا وأوروبا فقط، لافتاً الى أن "لبنان ومسؤوليه منبطحون أمام الأميركي، بينما هناك دول في العالم ليست منبطحة أمامه، فإذا منعت أميركا لبنان من الافادة من ثرواته، هناك دول مثل الصين وروسيا وإيران، يمكنها التنقيب عن ثروات لبنان، والافادة منها في أسواقها، ولكن السياسيين اللبنانيين، يخافون من سيف العقوبات، ويخافون على أموالهم الموجودة في أوروبا، لذلك لن يواجهوا الأميركيين فعلياً، علماً أن لبنان، الذي قد لا يوازي اسرائيل قوة عسكرياً، يملك توازن الرعب معها، ويمكنه فرض شروطه، وتحديداً على خلفية الأزمة الأوروبية مع روسيا".

هناك تخبط منذ البداية في ملف التفاوض على المنطقة الاقتصادية "الحصرية" للبنان، بحسب ما رأى وزير الخارجية الأسبق عدنان منصور، مشدداً في حديث لموقع "لبنان الكبير" على كلمة الحصرية، "لأنه صار هناك لغط في ترجمة اتفاقية لبنان مع قبرص، حيث أنه في نص الاتفاقية استعملت كلمة Exclusive، وهي تعني الحصرية وليس الخالصة، وهذا خطأ يتداوله الاعلام اللبناني منذ 11 سنة. ولذلك عندما يكون لدى السلطة ملف حساس متعلق بحقوق البلد وسيادته، لا يمكن التفاوض من دون أن يكون لدى الموكل بالتفاوض، كل التفاصيل والإلمام بالملف".

أضاف: "يجب تحديد المنطقة الاقتصادية بشكل علمي وقانوني، وفقاً للقانون الدولي وقانون البحار، ويجب الأخذ بتجارب الدول التي رسمت المناطق الاقتصادية الحصرية التابعة لها، 195 دولة أي تقريباً كل دول العالم من دون استثناء عملت على تحديد مناطقها الاقتصادية، أما لبنان، فعند بدء إثارة الملف في العام 2007، بدأ انطلاقاً من تحديد النقطة 1، ثم تبين أنه خطأ واتجه الى النقطة 23. وفي العام 2011، أبلغنا الأمم المتحدة بالمرسوم 6433، وفيما بعد بدأنا بالحديث عن تعديله والخط 29، ولم يحسم لبنان أمره، واليوم إذا تنازل لبنان عن نقطة، فهذا يعني تلقائياً أنه سيتجه الى التنازل أكثر".

أما لجهة تمكن لبنان من تثبيت حقوقه، فاعتبر منصور أن "العنجهية الأميركية تريد أخذ لبنان إلى مواقع سياسية متقدمة تتماشى مع سياستها في المنطقة، وبما أن اسرائيل هي حليفها الأول، تحاول الأخيرة استغلال هذا الأمر من أجل ابتزاز لبنان بحقوقه، ولذلك يمنع أي أحد من الاستثمار في المياه التابعة للمنطقة الحصرية للبنان، وتمنع الشركات العالمية من التنقيب، ولكن هذا لا يعني أن لبنان يجب أن يتنازل عن حقه بوجود هذه العوائق، فالتراجع خطوة واحدة، يعني أننا على استعداد للتراجع خطوتين وثلاث وأربع، والاسرائيلي مبتز ومخادع، ويراهن على الوقت، ويمكن الاستدلال على ذلك بالمفاوضات التي حصلت بين الفلسطينيين والاسرائيليين، أين اتفاق أوسلو؟ أين الدولة الفلسطينية؟ كله ذهب أدراج الرياح، ولا أحد استطاع فرض تنفيذ الاتفاقات التي عقدها الاسرائيلي".

التحكيم الدولي لن ينفع، ولن يجرؤ أحد على الاتجاه بعكس الغرب، لذلك يبدو محسوماً التخلي عن الخط 29، مقابل الحصول على حقل قانا كاملاً، ورفع الحظر عن الاستثمار النفطي في لبنان، ولكن ماذا لو رفض العدو الاسرائيلي هذا العرض السخي من لبنان، واعتبر أن موقفه ضعيف، وبالتالي يمكنه انتزاع تنازلات أخرى منه؟ هل هذا يعني الحرب أم يتنازل لبنان مجدداً؟ علماً أنه في الاتفاقات الدولية لطالما كان هناك تنازل متبادل من الطرفين، إلا أن سوء إدارة ملف التفاوض، واستخدامه في المزايدات الشعبوية، أضر بموقف لبنان كثيراً. ويبدو أن لبنان غير محنك في الديبلوماسية الدولية، كي يستغل حاجة أوروبا الى الغاز بأسرع وقت ممكن في هذا الظرف الاقليمي والدولي.

شارك الخبر

مواضيع ذات صلة:

Contact Us