آخر معارك جبران باسيل الدونكيشوتيّة!

سياسة 20 حزيران , 2022 - 12:02 ص
جبران باسيل

 

يخوض رئيس "التيار الوطني الحر" جبران باسيل آخر معاركه في السلطة التنفيذية لأن عهد عمه الرئيس ميشال عون أوشك على نهايته، بل أن الحكومة التي ستشكّل هي آخر حكومات العهد، وقد تستمر في تصريف الأعمال إذا تعرقل مسار انتخاب رئيس جديد للجمهورية بعد 31 تشرين الأول 2022.

لا شك في أن باسيل "حرّيف" في لعبة الشروط والتعطيل مستفيداً من وجود عمه في موقع الرئاسة وما يخوّله الدستور من توقيع على مراسيم وقوانين. لا يهتم باسيل للمعايير الوطنية والأخلاقية لأنها ليست من أولوياته، فهو يلعب لعبة السلطة بكل تفاصيلها، ويبحث عن مكاسب في عملية تأليف الحكومة بدءاً من الاستشارات النيابية التي حدد عون موعدها يوم الخميس 23 حزيران الجاري.

حتماً لا أحد صدّق باسيل عندما تكلّم عن رفضه تسمية نجيب ميقاتي رئيساً مكلفاً للحكومة الجديدة، فهذا الموقف ليس إلا شرطاً من الشروط التي يحاول فرضها، وممارسة لعملية المقايضة في الملف الحكومي، وهذا ما امتهنه باسيل منذ بداية العهد حتى اليوم أي الوقوف في ظلّ عون والتمترس خلف صلاحياته، لكن هذه المرة لا تبدو مهمته سهلة بتأمين وصول رئيس حكومة يخضع له، ولن يستطيع تحقيق أي شرط من شروطه يضمن له التحكّم بالسلطة بعد ترك عمه قصر بعبدا بسبب عوامل عديدة سنستعرضها على النحو التالي:

- العامل الأول، أن أولويات "حزب الله" مختلفة عن أولويات باسيل على صعيد تأليف الحكومة هذه المرة، وبالتالي الحزب ليس مستعداً للمماطلة والتسويف في التشكيل نتيجة ازدياد الضغوط عليه من بيئته التي لم تعد تتحمل ارتفاع الأسعار وحالة الفوضى والفلتان والعزلة عن المحيط الإقليمي. واللافت أن أي تأخير في تأليف الحكومة ستكون له عواقب على شعبية الحزب، لذلك يميل إلى المحافظة على الرئيس ميقاتي ليقود المرحلة الانتقالية حتى استحقاق انتخاب رئيس للجمهورية، وخصوصاً أنه فتح قنوات مع صندوق النقد الدولي.

- العامل الثاني، لن يخضع ميقاتي المرشح الأوفر حظاً ليكون رئيساً مكلفاً لشروط عون وباسيل وأولها إقالة حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، وثانيها موافقته على سلة من التعيينات سبق لباسيل أن أدرجها في صلب مطالبه، وثالثها إقرار التدقيق الجنائي بما يسمح باسترداد الأموال التي حُوّلت إلى الخارج بعد الانتفاضة الشعبية في 17 تشرين الأول 2021، ورابعها القبول باستمرار باسيل في الاستحواذ على وزارتي الطاقة والعدل. لا يبدو ميقاتي مستعداً كي يرضخ للضغوط ولا للابتزاز لأنه ليس في وارد الدخول في مقايضة مع أحد مقابل تكليفه بتشكيل الحكومة ويراد منه أن يكون مشرفاً على تمديد الأزمة، فيما نقف على مشارف الانهيار الشامل.

- العامل الثالث، تختلف المواصفات التي تطرحها التكتلات النيابية السيادية والتغييرية لرئاسة الحكومة عن المواصفات التي يضعها باسيل، فالأخير يبحث عن رئيس - دمية يكون مطواعاً لمطالبه وشروطه، فيحركه كما يشاء، أما السياديون والتغييريون، على الرغم من اختلافاتهم، فلا يريدون ميقاتي حتماً، إلا أنهم لن يقبلوا بمواصفات رئيس حكومة يخضع لباسيل، وبالتالي لن تحصل أي تسوية بين هؤلاء من جهة وباسيل من جهة أخرى، وسيكون وحيداً في النهاية.

قد يكون طموح باسيل في حكومة جديدة يملك مفاتيحها السياسية متعذّراً هذه المرة، لذلك قد يلجأ الى التعطيل وترك ادارة شؤون البلد لحكومة تصريف الأعمال التي يتمثل بوزراء فيها، إذا لم يتمكن من الإتيان برئيس حكومة وفق شروطه، متسلحاً بصلاحيات عمه كونه صاحب التوقيع الأول على مراسيم تشكيل الحكومة الجديدة، مما سيفتح عليه النار من كل حدب وصوب، بسبب العوامل الثلاثة المذكورة أعلاه.

لكن الأخطر من كل ذلك، أن خيارات تصادميّة لا تغيب عن بال فريق العمل الاستشاري لباسيل والتي يريد من خلالها إقحام البلد في أزمة سياسية بإقناع عون بعدم تسليم صلاحياته بالوكالة إلى حكومة تصريف الأعمال في حال تعذّر إجراء الانتخابات الرئاسية في موعدها الدستوري، معتبراً أنها تجيز له البقاء في سدة الرئاسة كأمر واقع لمنع حصول فراغ وألا يسلم صلاحياته إلا لمن يخلفه لأنه من غير الجائز إخلاء سدة الرئاسة لحكومة ليست كاملة الأوصاف.

حتماً هذه هرطقة دستورية، ومعاودة التلويح بها تأتي في سياق الابتزاز ليس بسبب وجود مقاومة سياسية له تتصدّرها القوى من معارضة تقليدية وتغييرية فحسب، وإنما لأن عون سيُقحم نفسه في صدام مباشر مع المجتمع الدولي بعد أن كان التزم أمام عدد من السفراء الأجانب بأنه لن يبقى ولو لدقيقة واحدة في قصر بعبدا فور انتهاء ولايته الدستورية.

ولا بد من الإشارة إلى أن هذه الأفكار الشاذة دستورياً تُقلق الكنيسة المارونية، وتعطيل تأليف حكومة وانتخاب رئيس، أمر يخشى منه البطريرك الماروني بشارة الراعي الذي دعا الى انتخاب رئيس للجمهورية في المهلة الزمنية المنصوص عليها في الدستور والى الإسراع في تشكيل الحكومة.

مغامرات عون وباسيل لن تنتهي حتى اللحظة الأخيرة، وكما بدأ العهد بمحاولة الاستيلاء على المناصب وجشع المحاصصات الذي عطّل الاستحقاقات الدستورية وقتل لبنان وأوصله إلى الانهيار، سيستمر حتى 31 تشرين الأول 2022، لكن ما بعد هذا التاريخ لن يكون كما قبله، والآتي من الأيام سيؤكد ذلك بلا أدنى شك.

شارك الخبر

مواضيع ذات صلة:

Contact Us