عن الفصام السلطوي السوري

سياسة 2 حزيران , 2021

 

إذا نظرنا مجازاً إلى المشهد السياسي السوري من قناة التعريف العلمي البسيط للفصام بصفته “اضطراباً عقلياً شديداً في التفكير والسلوك، يشوه فيه المرضى الحقائق والأحداث والعلاقات مع الآخرين، ويفسرون الواقع بشكل غير منطقي عبر أشكال من الهلوسات والأوهام” فإن خير تشخيص لما يعانيه النظام السوري اليوم، هو حالة فصام مزمنة، وأعراضها ليست جديدة بل قديمة قدم استيلاء هذا النوع من الحكام على السلطة، لكنها تظهر الآن بشكل فاقع ومثير للألم والسخرية في آن معاً، والأمثلة كثيرة.

أليس نوعاً من الهلوسة حديث غير مسؤول سوري عن أن الانتخابات الرئاسية التي جرت مؤخراً هي عرس للديمقراطية، وأن الدول الغربية تحسد السوريين على نعمة الحياة الديمقراطية التي يعيشون في كنفها، كذا؟! وماذا يقال عن إعلان وزير خارجية النظام بأن الانتخابات السورية أفضل بآلاف المرات من الانتخابات الأمريكية، التي وصفها بالمهزلة ووصف عمليات التصويت في السفارات السورية بأنها رائعة جداً وجرت في أجواء من الحرية والديمقراطية؟

بلا شك، يعرف القاصي قبل الداني أن الانتخابات السورية مجرد مسرحيات مفبركة لا علاقة لها من قريب أو بعيد بالديمقراطية، وأن السوريين محرومون منذ عقود، في ظل ديكتاتورية عسكرية، من حقوقهم الإنسانية المشروعة وأبسطها حقهم في اختيار حكامهم، وعادة ما يساقون كالخراف لممارسة طقوس الاستفتاءات المذلة، تحت وطأة الإرهاب والقمع أو التهديد بحرمانهم من لقمة عيشهم، فكيف الحال حين تجري الانتخابات اليوم فوق دماء مئات ألوف القتلى والمفقودين وملايين المنكوبين والمشردين؟ وما الدافع الذي يجبر المهجرين واللاجئين، إذا استثنينا هيصتهم المتعمدة في لبنان، على انتخاب من هجرهم وشردهم، سوى خشية القلة من الحساب والعقاب عند العودة إلى البلاد؟ وهل تصح مقارنة المهزلة السورية بالانتخابات الأمريكية التي تمت تحت رقابة الصحافة والإعلام ودورهما الحر في كشف أحشاء المجتمع الأمريكي، بينما يفتقد المجتمع السوري للحد الأدنى من هوامش النقد وحق التعبير عن الرأي، وصل الأمر إلى اعتقال أشد الموالين حماسة عندما تجاوزوا الخطوط المرسومة ولنتذكر ما حل بالمذيعة السلطوية هالة الجرف؟

ثم أي توهم وهلوسة، اعتبار ما يجري في سورية مؤامرة كونية ضد السلطة، وأن العالم بقضه وقضيضه يتحد للنيل منها، ربما غيرة وحسداً، كذا؟ أو حين يعلن غير مسؤول سوري أن الدول الغربية إنما تعاقب وتعزل نفسها ليس إلا، حين تفرض عقوبات اقتصادية على سورية وتحاول عزلها، كاظماً غيظه مما سببته هذه العقوبات من ضعف وتهتك اقتصاديين، وغافلاً عن محاولات السلطة نفسها استجداء تلك الدول كي تمد يد العون لإعادة إعمار ما دمر؟ وهل من دليل على ضغط العزلة على النظام أوضح من تلهفه لاستقبال أي زائر رسمي، ولنتذكر ظواهر التطبيل والتزمير لزيارة عمر البشير قبل أن تطيح به ثورة السودانيين، ثم مظاهر الحفاوة والاحتفاء المبالغ بهما بزيارة رئيس ابخازيا لدمشق؟!

وأي فصام وانفصام عن الواقع حين يتجرأ نظام توغل عميقاً في التدمير والفتك والتنكيل بالسوريين، على تناسي ما ارتكبته أياديه الآثمة، ويندفع مثلاً للتنديد بمقتل المواطن الأمريكي الأسود جورج فلويد بعدما جثا شرطي أبيض على عنقه، وأيضاً ببعض الاعتقالات التي جرت في غير مدينة أمريكية ضد المتظاهرين، ويعتبر ذلك كبرى الكبائر وان من يصمت عنها يخون انسانيته؟ أو حين تستنفر وسائل إعلامه كمن فقدت أعصابها وهي تدين محاصرة إسرائيل للمصلين في باحة المسجد الأقصى، والاعتقالات في حي الشيخ جراح؟ والأنكى حين يتبجح غير مسؤول سوري بأشد عبارات الإدانة للعدوان الإسرائيلي على غزة ولما سببه القصف الجوي من دمار وضحايا خلال عشرة أيام، طبعاً وعلى الرغم من بشاعة ووحشية هذا العدوان، لكنه يبدو أشبه بلعب أطفال مقارنة بما سببه القصف السلطوي المديد ولسنوات عديدة من ضحايا وخراب، ليس ضد عدو خارجي بل ضد أبناء الشعب السوري؟

وآخر الهلوسات أن يفرد التلفزيون السلطوي مؤخراً مساحة خاصة لمناقشة ظاهرة التسول في الصين وأوروبا، ويطالب بضرورة وضع خطط للحد من هذه الظاهرة، ما أثار موجة سخرية كبيرة، بين أوساط الموالين للنظام نفسه، الذي يتجاهل المآسي والأزمات التي يعاني منها السوريون وشدة عوزهم وفاقتهم، ويتغافل عن تحويل غالبيتهم إلى متسولين، ظاهرياً أو بصورة مقنعة، ربطاً بالتراجع المريع لقدرتهم الشرائية جراء الانهيار المتسارع لليرة السورية، وعدم توفر أدنى مقومات الحياة، كالخبز والكهرباء والمحروقات والرعاية الصحية، عدا عن عذابهم اليومي ووقوفهم لساعات في طوابير الانتظار أمام الأفران ومحطات الوقود.

ويبدو أن ما يعزز حالة الفصام في تشخيص وتفسير مواقف النظام السوري وسلوكه، وجود ما يشبه العادة أو التقليد درج تكريسهما طيلة عقود في البلاد وجوهرهما التعاطي السلبي والفوقي مع المجتمع وعدم إعطاء قيمة تذكر لرأي المواطن أو لاحترام عقله وملكته النقدية، بما هو استخفاف مريع بالبشر والتعامل معهم على أنهم جهلة لا يفقهون شيئاً ولا يعرفون ما يجري، بل يجب أن لا يعرفوا، من دون اعتبار للفرص الكبيرة التي باتت تتيحها عشرات الفضائيات ومواقع الانترنت لتمكين الناس من متابعة ما يحدث في بلدهم أو في العالم وربما بأدق التفاصيل، الأمر الذي شجع أحد المربين الأفاضل ليكسر حاجز الحياد والصمت ويخاطب هكذا نظام وقد بلغ السيل الزبى: كفى أيها المرائي أن ترى القشة التي في عين الآخر، ولا ترى القذى الذي في عينك!

شارك الخبر

مواضيع ذات صلة:

Contact Us