لماذا يصر “صيانة الدستور” على حماية ابراهيم رئيسي؟

سياسة 7 حزيران , 2021

 

“إن توجيهات قائد الثورة هي كلمة الفصل، وينبغي إطاعة حكمه، وسيعلن مجلس صيانة الدستور رأيه قريباً، مع الإقرار بأنه ليس بمنأى عن الخطأ”. هكذا عبّر المتحدث باسم مجلس صيانة الدستور في إيران، عباس علي كدخدائي، بعدما أكد مرشد الجمهورية الإسلامية علي خامنئي أمس أنه خلال عملية التحقُّق من أهلية المرشّحين، تعرّض البعض للغُبن، إذ نُسبت إليهم أشياء غير حقيقية انتشرت على الإنترنت.

كخدائي أضاف أن مجلس صيانة الدستور سيبدي رأيه قريباً بشأن ما عرضه آية الله خامنئي حول عدم إحراز بعض المرشحين الأهلية للترشح للرئاسة، مما أثار التكهنات بأن هناك رغبة من المرشد في إعادة النظر في قرار المجلس وتأهيل بعض المرشحين.

المجلس الذي اجتمع عصر أمس أصدر بياناً مفاجئاً قدر فيه التوجيهات الحكيمة للمرشد الأعلى، معلناً أنه أثناء مراجعة مؤهلات المرشحين للرئاسة وبعدها، تم إصدار تهم غير صحيحة لبعض المرشحين المحترمين وأقاربهم في الفضاء الإلكتروني وبعض وسائل الإعلام، بناء على بعض تقارير كاذبة وغير موثقة. وأضاف البيان أن المجلس “مع تأكيده على الحفاظ على كرامة الأفراد وإدانة الإساءة إلى المرشحين وأسرهم، يطالب جميع وسائل الإعلام بتجنب التكهنات والاستشهاد بأمور غير حقيقية وباطلة، وذلك لأنه في التحقيقات، تم تقييم مجموعة من القضايا والوثائق، وأن بعض التقارير غير الصحيحة لم تكن ذات أثر فعال في إصدار الحکم النهائي من قبل مجلس صيانة الدستور”.

شكل هذا البيان – القرار مفاجآة للمراقبين داخل إيران وخارجها حيث كان يتوقع الكثيرون تأهيل المرشح المعتدل علي لاريجاني، وهو مستشار للمرشد خامنئي، ورئيس سابق لمجلس الشورى الإسلامي(البرلمان) لثلاث دورات، ومسؤول سابق في مجلس الأمن القومي ومفاوض نووي، فضلاً عن كونه نجل أحد مراجع الدين في مدينة قم، وكون شقيقه الشيخ صادق لاريجاني رئيساً سابقاً للسلطة القضائية ورئيساً لمجلس تشخيص مصلحة النظام، أحد مؤسسات النظام التي تنظر في الخلافات بين المؤسسات كمجلس صيانة الدستور والبرلمان على سبيل المثال، وتحديد مصلحة الدولة.

حتى إن المكتب الانتخابي للمرشح علي لاريجاني تفاءل خيراً بكلام المرشد واحتمال خروج اجتماع مجلس صيانة الدستور بقرار ينصفه ويسمح له بالترشح للرئاسة، حيث أعلن مستشار لاريجاني أن مكتبه مستعد للعودة لاستئناف حملته الانتخابية فوراً في حال صدر قرار بتأهيله.

لكن السؤال المطروح اليوم ما هو سبب تلكؤ مجلس صيانة الدستور في الاستجابة لكلام خامنئي، وإعادة النظر في قراراته وإنصاف بعض المرشحين الذين لا غبار على ولائهم للنظام الإسلامي وخدمته له منذ بداية نشاطهم السياسي والوظيفي.

ثمة رأيان يفسّران موقف مجلس صيانة الدستور: الرأي الأول هو أن كلام المرشد خامنئي لم يكن يوجه انتقاداً لقرارات المجلس في رفض أهلية بعض المرشحين، بل هو انتقد الإساءة لبعض المرشحين المرفوضين ولعائلاتهم في بعض وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي. ولعل خامنئي كان يقصد تحديداً المرشح علي لاريجاني، حيث تم تداول أن سبب رفض ترشيحه هو إقامة إبنته في الولايات المتحدة الأميركية وحصولها على الجنسية الأميركية، وهو سبب يسمح لمجلس صيانة الدستور في استبعاد المرشح، لوجود قانون يمنع أن يكون أحد أفراد عائلة المرشح يتمتع بجنسية أجنبية، فكيف إذا كانت جنسية “الشيطان الأكبر”، أميركا. وهي معلومة لم يتم تأكيدها ولعلها غير دقيقة واعتبرت إساءة للاريجاني، وهو مرشح يتمتع بدعم مراجع الدين في قم، وبمقبولية لدى جمهور كبير من المحافظين والإصلاحيين على حد سواء.

إذاً، خامنئي ترك المؤسسات تعمل بحرية ولم يشأ التدخل في قرارات مجلس صيانة الدستور لإعادة النظر في تأهيل بعض المرشحين، كما حصل في دورات انتخابية سابقة. وهو حق دستوري له، كونه الولي الفقيه القائد، صاحب السلطة المطلقة في الجمهورية الإسلامية، فيمكنه نقض قرارات جميع السلطات، فرأيه “كلمة الفصل، وينبغي إطاعة حكمه”، كما قال الناطق باسم مجلس صيانة الدستور.

أما الرأي الثاني فيرى أن المجلس الأخير يخضع لتأثير المحافظين في إيران، وغالبية أعضائه هم من المحافظين المتشددين، نصفهم من رجال الدين، والنصف الآخر من الحقوقيين، وأن المايسترو الذي يدير معسكر المحافظين في البلاد، ولعله يدير سياسات البلاد كلها، هو حرس الثورة الإسلامية(باسدران). فلقادة الحرس الكلمة الفصل في سياسات البلاد الداخلية والخارجية الأساسية، وهو ما كشفه وزير الخارجية محمد جواد ظريف في حديثه قبل شهر الذي تم تسريبه وحرق ترشيحه، حيث قال إن قائد “قوة القدس” في “الحرس”، الراحل اللواء قاسم سليماني كان يتدخل في عمل وزارة الخارجية ويملي السياسة الخارجية عليه ويخضعها لمصلحة الميدان العسكري.

كلام ظريف تعرض لنقد من خامنئي نفسه ووسائل الإعلام المحافظة وأوساطهم، ما جعله يعتذر ويقول إن كلامه كان ضمن شهادة داخلية لتقييم عمل وزارة الخارجية تم تسريبها، وهو ما جعله يعزف عن الترشح للرئاسة. خامنئي أكد أن وزارة الخارجية ليست هي من يضع السياسة الخارجية للبلاد بل مجلس الأمن القومي الذي يضم معظم أجهزة الدولة تحت إشراف المرشد.

والسؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: هل يطيع مجلس صيانة الدستور “حرس الثورة” أم القائد خامنئي، وطاعته واجبة بحسب الدستور لكون الولي الفقيه، أي نائب الإمام المهدي الغائب والقائم بأعماله في ظل غيبته والذي يتمتع بسلطاته المطلقة كإمام معصوم ومنصوص عليه بحسب العقيدة الشيعية الإثني عشرية؟ وهل نفوذ “حرس الثورة” أقوى من نفوذ المرشد؟

الإجابة صعبة ومعقدة وطبيعة العلاقة بين المرشد والحرس مركبة، لكن نظرياً وظاهرياً قادة الحرس وكوادره وعناصره ومؤيدوه وخصوصاً “التعبئة” (الباسيج)، يؤمنون بولاية الفقيه ويتعبدون بطاعة القائد خامنئي بل ويبكون في حضرته. لكن السياسة أمر آخر، ومثال الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد الذي جاء إلى الرئاسة بأصوات المحافظين (وربما بتزويرهم للانتخابات بحسب اتهامات الإصلاحيين في الولاية الثانية عام 2009)، ودعم “حرس الثورة” وتأييد خامنئي، لكنه انقلب عليهم في الولاية الثانية، ولم يعد يطيع أوامر المرشد وينحرف عن توجيهات الحرس والنظام الإسلامي. ويروي البعض أن أحمدي نجاد من اتجاه “الحجتين” الذين يؤمنون بالتواصل مع الإمام المهدي، ما يجعله يزعم أنه على علاقة به، مقللاً من أولوية طاعة الولي الفقيه وكيل الإمام، في وجود الإمام الأصيل.

خلاصة الأمر، إن مرشح “حرس الثورة” هو السيد إبراهيم رئيسي وهو مرشحهم لخلافة خامنئي، والحرس هو الناخب الأول عملياً للمرشد الذي يُنتخب عبر مجلس الخبراء. ومن أجل فوز رئيسي بالرئاسة، تم استبعاد غالبية المرشحين وخصوصاً الذين لهم فرصة الفوز كعلي لاريجاني، وأحمدي نجاد أو إسحق جاهنغري.

ويقدّر مراقبون أن رفض ترشيح لاريجاني يعود لرغبة “حرس الثورة”، المهيمن على سياسات وتوجهات إيران الكبرى، في تجيير أكبر كتلة من الأصوات لضمان فوز رئيسي، رئيس السلطة القضائية حالياً. ورغم عدم وجود منافسة جدية من قبل المرشحين الآخرين، إلا أن قيادة الحرس تفضّل أن يكون فوز رئيسي كبيراً وواضحاً، وبما يمهّد لخلافة سلسة من قبله، شعبياً وسياسياً، لخامنئي، الذي صار طاعناً في السن، ويعاني من أمراض عدة.

وهناك تفسيرات أخرى لإقصاء لاريجاني، ترتبط بعائلته (ابنة شقيقه صادق لاريجاني تحديداً)، التي صدرت تقارير كثيرة بشأنها قبل أعوام، حول ارتباطها بالاستخبارات البريطانية، ما أدى في النهاية إلى اعتقالها وإبعاد والدها عن منصبه كرئيس للسلطة القضائية.

ويزعم المحافظون أن هناك اعتبارات معينة لم يتم الكشف عنها، وتتعلق بالوضع الصحي والنفسي لاريجاني، إضافة إلى علاقة لاريجاني الجيدة بالرئيس الإيراني الحالي، حسن روحاني، طيلة فترتي حكمه، وهو المحسوب منذ بداية ترشيحه على التيار الإصلاحي.

ويفضّل المحافظون أن يحصل انسجام أو تكامل بين رأسي القيادة في إيران؛ المرشد الأعلى ورئيس الجمهورية، حتى لا تتكرر تجربة روحاني أو أحمدي نجاد أو محمد خاتمي، وبما يؤدي إلى إعطاء زخم غير مسبوق لسياسات الحكومة الجديدة، والتي ستنعكس حكماً على أوضاع الشعب الحياتية، كما على اقتصاد البلاد الذي يرزح منذ عقود تحت وطأة العقوبات الغربية والتحديات الداخلية، وأولها تفاقم معضلة الفساد المستشري في أغلب المؤسسات والقطاعات الحيوية في إيران.

وبحسب مصادر إيرانية محافظة، لم يكن قرار رفض لاريجاني وغيره من المرشحين قراراً متسرعاً لمجلس صيانة الدستور، بل كان قراراً مدروساً بعناية، ومستنداً إلى اعتبارات سياسية وموضوعية، ولم يشكّل موقف خامنئي نقضاً لهذا القرار، بل تبنياً ملطّفاً له، من أجل حض الشعب على المشاركة في الانتخابات الرئاسية التي ستجري في الثامن عشر من حزيران الجاري، مع عدم كسر قرار مجلس صيانة الدستور.

وتضيف المصادر المحافظة أن إبعاد لاريجاني لم يكن يهدف لإلغاء أي منافسة جدية للمرشح رئيسي، لأن الأخير حصل على أكثر من 17 مليون صوت في مواجهة روحاني في انتخابات 2017، وكانت حصة لاريجاني حينها أدنى من حصة غيره من المرشحين بكثير.

شارك الخبر

مواضيع ذات صلة:

Contact Us