مسرح برلمان المدينة: الوجه الآخر لمفاوضات "حزب الله"

سياسة 22 كانون الثاني , 2023 - 12:01 ص

 

فتح نائبا "كلنا إرادة" نجاة صليبا وملحم خلف الباب الخلفي أمام نائب رئيس مجلس النواب الياس بو صعب ليدخل منه متذرّعاً، ومطالباً بـ"الحوار". بعدها بساعات، صدفة ربانية، جمعت بين مشهدية الاعتصام في مسرح برلمان المدينة تلك، وبين اللقاء المسائي الذي جمع وفداً قيادياً من "حزب الله" بالنائب السابق وليد جنبلاط لمقاربة الاستحقاق الرئاسي.

بعيداً عن حقيقة الحسابات والدوافع التغييرية، فإن أمراً واحداً ثابتاً، مفاده بأن لا الممانعة بقيادة "حزب الله"، ولا المعارضة السيادية بمرشح لحزب المصارف (المتناغم ضمناً مع "كلنا إرادة" كمنصة تمويل)، صاحبا قرار في ما يجري، مع ضرورة التنبيه أن كلاهما مستفيد من حركة نواب التغيير البعيدة عن سياق قواعد الانتفاضة التي توّجتهم ممثلين لها.

تأمين النصاب

وبعيداً عن غرض نواب التغيير من وراء خطوتهم التصعيدية، سواء أكانت إعلامية دعائية بالدرجة الأولى أم أنهم منطلقون من قلق وحرص على "مسار الديموقراطية الملزم للمجلس النيابي" كما قال النائب ملحم خلف، إلا أن الوقائع تعكس مراهقة سياسية مُفرطة، وخطأ يخدم مصالح المنظومة السياسية.

المسألة أعمق من مجرد "مخيّم مشرعين في مجلس الشعب"، وأكثر من مجرّد إرهاصات صراع مبكر على خلافة الرئيس ميشال عون. أولاً، إن "تأمين نصاب الجلسات النيابية" كمطلب اعتصم لأجله التغييريون، ليس بالضرورة في صلب اهتمامات الناس ليلة وصول الدولار إلى ما فوق الـ50 ألف ليرة... والمفارقة أنها تأتي في خضم محاولات الثنائي التسويق لحوار جامع ينتج عنه ما يُشبه النموذج العوني "المقاوم"، في مواجهة أي رئيس محتمل يؤسس لممكن مدني.

ثانياً، من المفيد أن نُذكّر نواب التغيير بأن الأولوية التي انتُخبوا على أساسها، إن لم تكن استعادة الأموال المنهوبة، فهي إيقاف النهب، وأن المجهود الذي يستثمرونه بمعركة رئاسية لا تعني القسم الأكبر من المواطنين، كان من الممكن أن يُصبّ في محاربة الفساد ومساءلة الوزراء.

فملامسة وجع الناس هو ملامسة للشارع. الشارع الذي من خلاله يتم التفاوض سياسياً. أما حصر الأجندة بالاستعراض داخل المجلس فنتيجته رئيس توافقي بين كتل متصارعة وإعادة لتجديد النظام ذاته.

ثالثاً، إن التزامهم بالتواجد في "صالة الانتخابات" تلك، ضمن لـ "حزب الله" وذويه أبطال الورقة البيضاء، تأمين النصاب البرلماني المطلوب لمرشحهم غير المعلن رئيس تيار "المردة" سليمان فرنجية... وألغى من جهة أخرى قوّة المعارضة السيادية التي كان بإمكانها فرض تعطيل ما في وجه مرشح الحزب، بغض النظر عن أن المعارضة السيادية كانت قد نجحت في استمالة بعض منهم للتصويت لمرشحها، ميشال معوّض، فيما فشل الأخير في جمع الأصوات الاجمالية اللازمة.

خدمة مجانية للميليشيا

تتقدّم مساعي "حزب الله" خطوتين أو نصف خطوة وترجع خطوة إلى الوراء، إلا أنها مع اعتصام خلف - صليبا تحقق أهدافها شيئاً فشيئاً بغض النظر عن "نية النواب" المعتصمين في المجلس النيابي.

نفض نواب التغيير الغبار عن نصف مأزق "حزب الله" مع خياره الرئاسي الفاقد للميثاقية المسيحية والذي كان يمكن ألا يؤمن "النصاب". ووضعوا المعارضة السيادية أمام تحدي اختيار مرشح آخر غير ميشال معوّض يستطيع تأمين النصف زائد واحد. وفي تناحر 8 و14، أمّن قادة النضال الشعبي التغييري ذاك "النصاب" لمن يسبق الآخر من الفريقين، وجرّدوا أنفسهم من أهم ورقة تفاوضية تعطّل احتمال وصول رئيس "يحمي ظهر المقاومة" وحلفائها في ملف التحقيق بانفجار مرفأ بيروت، أو وصول رئيس كميشال معوّض خطته الاقتصادية العلنية لاعادة أموال المودعين هي بتحميلها بصورة غير مباشرة للشعب.

ككتلة من 13 نائباً، كانت "نظرياً" قادرة على فرض شروط جوهرية تمكنها فعلياً من التحكم بالجميع، 8 أو 14، في ضوء عدم قدرة الفريقين على تأمين العدد المطلوب لانتخاب رئيس. ولم يكن هناك من داعٍ لتشريع أبواب المجلس أمام "حزب الله" بشكل يمكّنه من إبرام صفقته السياسية في منزل جنبلاط. فأتت خطوتهم الهزلية تاجاً ذهبياً على رأس إخفاقاتهم المتتالية منذ تعيينهم ممثلين للشعب. وضربت مناورتهم المحدودة أول ما ضربت وتر الحياة السياسية لقوى 17 تشرين بدل أن تضرب على وتر تناقضات الحسابات الايرانية - السعودية.

درس قاس

غالبية نواب "كلنا إرادة"، فوضويّة بطبيعتها، ومن لا يلمع اسمه إلا بالفوضى لا يمكن التعويل على انضباطه.

لا شك في أن معظم من انتخب نواب التغيير، الناشط منهم وغير الناشط، لم يستطيعوا الانتظام في أحزاب سياسية وازنة تشكّل حاضنة لنوابهم يعودوا لتشاركيتها قبل اتخاذ خطوات وتكتيكات مصيرية كالمنامة تحت قبة البرلمان. لهذا، وكنواب "الثورة"، افتقروا إلى الانضباط المطلوب في سدة قيادة مشروع دولة، وعجزوا عن استيعاب فكرة أنهم انتخبوا ليُحاسبوا ويؤسسوا إصلاحاً في نظام مهترئ يحتاج الى أسلوب حكم صحيح... فبلا أسس وخطة محكمة متفق عليها لهذا الحُكم المنشود، تشرذموا ولم يعودوا في قراراتهم إلى رافعاتهم من الناس ولا عادوا بخطواتهم إلى القواعد الشعبية، فخدموا الدولة العميقة لاإرادياً.

إذا كان من درس يمكن أن نستفيد منه مما يُحاك قبيل الانتخابات البلدية وبعدها الاستحقاقات النقابية، واستنباط خلاصة تهم كل من يشعر أن صوته مخطوف ونائم في أروقة برلمانيات التهريج: فهو تجنّب إسباغ أي شرعية على خطوات بلا منطق كخطوة النواب هذه، وعدم التورّط في دعم تصرفات كهذه، والذوبان في تنظيم سياسي موحّد وازن يستعد للمواجهة في أي استحقاق، ولمحاسبة من انتخبناهم من نواب لاستعادة القرار.

شارك الخبر

مواضيع ذات صلة:

Contact Us