“التيار الوطني الحر”… مسيرة حافلة بالتناقضات

محمد شمس الدين

لا يستطيع الشعب اللبناني الا أن يلاحظ التناقضات في عمل “التيار الوطني الحر” خلال سنوات، والأمر ليس متعلقاً بمواقف سياسية وحسب، بل حتى بالاجراءات المختصة بعمل الدولة عموماً، من الادارة العامة إلى القضاء والمؤسسات، وكل القطاعات.

“التيار” رفع شعارات رنانة منذ انطلاقته عام 2005، أولها كان استقلالية القضاء، والكفاءة وضرب المحاصصة الوظيفية، ونبذ الطائفية، كلها عناوين لم يعتمدها في مسيرته بتاتاً، بل عندما وصل ميشال عون إلى سدة الرئاسة، أمعن “التيار” في ضرب هذه العناوين، فأصبح يعتبر المناصفة أن يوظف النصف المسيحي بنفسه، وغياب مأمور أحراج مسيحي واحد يعني تعطيل توظيف العشرات غيره، أما القضاء فحدث ولا حرج، لأن التدخل العوني فيه دمّر الجسم القضائي في لبنان كلياً.

وفي مواقف “التيار” من الأزمة الاقتصادية، أولاً كان حاكم مصرف لبنان رياض سلامة خطاً أحمر، وبرز هذا الأمر عندما طالب النائب جورج عدوان عام 2017 بالتحقيق في عمليات مصرف لبنان وحاكمه، بغض النظر عن دوافعه في حينه، إلا أن “التيار” كان أبرز المعترضين على ذلك، واعتبر أن “القوات” تحاول ضرب العهد عبر ضرب الثقة باقتصاد الدولة وماليتها. حادثة أخرى مشابهة حصلت، عندما قرر المدعي العام المالي القاضي علي ابراهيم، عام 2020، وضع إشارة “منع تصرف” على أصول 20 مصرفاً لبنانياً، وإبلاغها الى المديرية العامة للشؤون العقارية وأمانة السجل التجاري وهيئة إدارة السير والآليات وحاكمية مصرف لبنان وجمعية المصارف وهيئة الأسواق المالية، مع تعميم منع التصرف بأملاك رؤساء مجالس إدارة هذه المصارف، أول المعترضين على هذا القرار كان رئيس الجمهورية في حينه ميشال عون، الذي اعتبر ما يحصل “حرتقة” من رئيس مجلس النواب نبيه بري ضد العهد، ودافع “التيار” حينذاك عن المصارف بشراسة.

كل هذا تغير في آخر سنة أو أكثر من العهد، اذ صار “التيار” يستهدف حاكم مصرف لبنان والمصارف، وأطلق يد القاضية غادة عون في هذا الأمر، وكان يؤمن لها الحماية من مجلس القضاء الأعلى، ويمنع تحويلها على هيئة التفتيش القضائي، على الرغم من استمراره في رفع شعار استقلالية القضاء، إلا أنه أمعن بكل قوته في التدخل بعمله.

هذا “التيار”، هو اليوم ضد ما يسميها “المنظومة”، على الرغم من أنه تحالف مع من يعتبرهم منها، وعقد الصفقات مع غالبيتها، من أجل تحقيق أجنداته وأهدافه السياسية، ولكن عندما انتفت حاجته، انقلب عليها، وأصبح يسوق لنفسه أنه خارج هذه “المنظومة”، كما انقلب على الشعارات الرنانة التي رفعها على مدى سنوات عمله، تارة يكون رياض سلامة أفضل حاكم مصرفي، وفجأة يصبح شيطاناً يدمر البلد، يقدم جبران باسيل بنفسه درع تقدير لميسرة سكر، وفجأة تصبح “سوكلين” رمز الفساد، يوماً تكون المصارف هي ركيزة البلد، وفجأة يجب تدميرها… كل هذه النماذج وغيرها الكثير، كان “التيار” يناقض نفسه بنفسه، وأحياناً حتى في فترة قصيرة، وذلك وفق مصالحه وأهوائه، هذا إذا ما أردنا عدم الخوض في المواقف السياسية، من موقف “التيار” من “حزب الله” وسوريا، قبل أن يصبح حليفهما، عدا عن المواقف عند تشكيل الحكومات قبل عهده، وكيف كان يرفض رفضاً قاطعاً أن يكون لرئيس الجمهورية حصة وزارية. هذه التناقضات في أقل تقدير أزمت الوضع السياسي في البلد، بل زادت الشرخ بين المكونات، فلم يشهد أي عهد تشنجاً ذا منحى طائفي كما شهد لبنان أيام عهد عون وما بعده. واليوم يخوض “التيار” معارك تعتبرها غالبية القوى السياسية محاولات لاخضاع الفرقاء السياسيين، عبر الابتزاز بمصير البلد، ولكن يبدو أن لعبته هذه المرة لن تنجح، فحتى حليفه الأقرب “حزب الله”، ابتعد عنه، ورفع الغطاء السياسي الذي كان يؤمنه له، ويبدو أنه سيتركه ليخوض معاركه وحده، فربما بعد خسارة بعض المعارك يعود راكضاً لمحاولة النجاة بوجوده السياسي.

شارك المقال