حكيم السياسة… والمستجدون عليها

محمد شمس الدين

الجدل بعد الحديث الأخير لرئيس مجلس النواب نبيه بري احتل ساحة الرأي العام اللبناني عقب رد النائب ميشال معوض، الذي اعتبر نفسه معنياً بالكلام، ثم ما لبث أن رد عليه المعاون السياسي لرئيس المجلس النائب علي حسن خليل، وتوالت بعدها تعليقات عدة أبرزها من رئيس لجنة العلاقات الخارجية في حزب “القوات اللبنانية” ريشار قيومجيان، الذي استدعى كلامه ردوداً واسعة من قيادات روحية ومراجع الطائفة الشيعية. وهذه ليست المرة الأولى التي تثير تعليقات بري الجدل، فمنذ فترة عندما سأله رئيس حزب “الكتائب” النائب سامي الجميل عن المادة التي اعتمد عليها في موضوع النصاب، أجاب: “مادة اجرا من الشباك”، الأمر الذي انتفض عليه الجميل، ولقي ردوداً من نواب وسياسيين وصفوا بري بالذكوري، ولكن تبين لاحقاً أنه مصطلح يستخدم في العدلية، وفقاً لحادثة قديمة تتعلق بسؤال أحد المحامين للقاضي عن المادة التي اعتمد عليها لاتهام موكلته بالدعارة، فرد القاضي: “مادة اجرا من الشباك” كون المتهمة قبض عليها في هذه الوضعية في السيارة، وأصبح هذا المصطلح متداولاً في العدلية للدلالة على وضوح المادة أو السند القانوني. وتبين أن الرئيس الذي يخوض غمار القانون والسياسة منذ أكثر من ٧٠ سنة، مصطلحاته لا يفهمها الجيل الجديد من النواب، حتى أن البعض يستعين إما بمستشارين مخضرمين في السياسة والقانون أو ممن هم من الجيل السياسي لبري كالرئيس أمين الجميل أو الوزير السابق بطرس حرب وغيرهم من كبار الساسة في لبنان.

يحاول بعض الجدد في السياسة أن يوحوا بأن الترويكا كما يصفونها، أي الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورئيس الحزب “التقدمي الاشتراكي” وليد جنبلاط والرئيس بري، كانت علاقة ود دائم، واتفاق في كل الملفات، ولكن من عاش تلك المرحلة، يعلم أن الود كان شخصياً بين العمالقة الثلاثة، إلا أن خلافات عدة حصلت على الصعيد السياسي، وعلى صعيد عدد من الملفات، بل انها بدأت منذ اللحظة الأولى بعد تكليف الرئيس الشهيد بتشكيل الحكومة، وكان الخلاف على وزارة المالية، التي أراد بري أن تسند الى الشيعة، بينما الرئيس الحريري أراد اسنادها الى مقرب منه، وفق رؤيته الاقتصادية، وتوالت الخلافات في ملفات عديدة أخرى، ولكنها كانت ضمن الأدب السياسي، وكان الاثنان يتبادلان التعليقات بمصطلحات ذكية، وطريفة في كثير من الأحيان، ويعرفان كيف يردان على بعضهما، وهما المرجعان في السياسة، والرأي العام كان يتابع هذه التعليقات ويحتاج إلى شرحها أحياناً، ولم يقتصر الأمر عليهما فقط، فكان لجنبلاط تعليقاته وألغازه أيضاً، وكذلك العديد من الشخصيات السياسية مثل باسم السبع، زاهر الخطيب، نجاح واكيم وسيرج طورسركيسيان، الذين اشتهروا بتعليقاتهم وردودهم التي أخذت طابعاً طريفاً في أحيان كثيرة، حتى أن البطريرك الراحل مار نصر الله بطرس صفير كانت لديه تعليقات مماثلة.

ولا بد أن الرئيس بري يفتقد تلك المرحلة، التي كانت على الرغم من الخلافات لا تتخطى حدود الأدب السياسي، أما جيل النواب الجديد، فيحتاج إلى المزيد من “فت الخبز السياسي” أمام الرجل الذي بدأ مشواره السياسي عندما كان في المرحلة الثانوية، حين شارك في العديد من التحركات السياسية والاضرابات المتعلقة بما يحصل في العالم العربي في ذلك الزمن، بل انه قابل الرئيس كميل شمعون في قصر بعبدا بعد أن أرسل له رسالة معترضاً على ترسيبه في امتحانات البكالوريا، التي صدر قرار بعدها أنه حتى لو كانت علامات الطالب تجعله ناجحاً ولكن اذا رسب في مادة واحدة يعتبر راسباً في الامتحانات كلها، وأثارت الرسالة إعجاب شمعون لدرجة أنه أرسل وراء بري ليلتقيه. بعد الثانوية كانت مرحلة الجامعة، وخاض بري الانتخابات الطالبية، وأصبح رئيساً لاتحاد الطلبة في لبنان، ويقول انه بدأ العمل السياسي فعلياً عام 1963، عندما أدار نشاطات عدة، وتظاهرات وإضرابات، أبرزها الاضراب لبناء الجامعة اللبنانية، والذي حضره الراحلان كمال جنبلاط وبيار الجميل، وهو أمر لافت بحيث اجتمع اليمين واليسار فيه، وحاول بري جعل الاتحاد الوطني للجامعيين في لبنان نقابة طالبية، وكان يحلم حينها بالتكامل العربي، وتعميم التجربة في كل الدول العربية.

بعد فترة من الوقت، التقى بري الامام السيد موسى الصدر، ووجد مكانه إلى جانبه، بعدما رأى روح الصدر التغييرية والعروبية، وأنه ليس رجل دين عادياً، ولاحقاً أصبح محاميه، ثم تولى رئاسة حركة “أمل” بعد خطف الامام، وظهرت صورته على غلاف الصحف المحلية والعالمية، عندما قاتلت الحركة ببسالة في معركة خلدة الشهيرة، وقتلت أعلى رتبة اسرائيلية في تاريخ الصراع، وكان لبري خطاب شهير حينها، قال فيه: “لن يمروا إلا على أجسادنا”، الأمر الذي دفع العالم الى السؤال: من هو هذا الرجل؟ وكان هناك تصريح شهير لأحد الجنود الاسرائيليين الذي جرح في المعركة قال فيه: “يقاتلنا مجانين حركة أمل، ويقودهم رجل اسمه نبيه بري”. بعد معارك العسكر بدأت معارك السياسة والمؤتمرات الدولية والتقى مجدداً الرئيس شمعون الذي اعتبر أنه اكتشف “الشاب” نبيه بري، الذي كان يافعاً حينها، نظراته، حركته، طريقة كلامه، لفتت أحد أدهى السياسيين في لبنان والذي كان يلقّب بـ”فتى العروبة الأغرّ”، وهو كميل شمعون. وبعد مناقشات المؤتمرين، قال شمعون الكثير عن برّي، متنبّئاً له بمستقبل واعد، واصفاً إيّاه بـ”الرجل الذكي الذي يحمل نظرات ثعلب”. وقال إنّه سيكون “صاحب دور بارز ومؤثّر جداً في المجريات اللبنانية”. ولم يخيب برّي نظرة شمعون، بل أثبتها بحرفة وإتقان. وكلّ من يعرفه يصفه بأنّه الحذق، اللمّاح، الخطيب المفوّه، السريع البديهة، المحامي بعقل مهندس، والسياسي المحنّك بشخصية ثائر.

بعد سنوات من النضال السياسي والعسكري في مرحلة الحرب أتت مرحلة السلم، وتسلم بري رئاسة مجلس النواب وكان له دور بارز في كل المراحل تحديداً بعد مرحلة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، بحيث لعب دور الإطفائي واستطاع وأد الفتنة في البلد في حوادث عدة كادت أن تعيد المحاور والمتاريس مجدداً.

من الطبيعي بعد كل ذلك أن يواجه بري مشكلة بعض النواب الذين لم يشتد عودهم السياسي، في عدم فهم مصطلحاته، فمبتكر مصطلح “الشيخ والدبس” منذ صغره، الأديب الذي يعمل في السياسة، والمحترف في النثر، متقدم بثلاثة إلى أربعة أجيال على بعض سياسيي اليوم، وربما يجب أن يعيّن مترجماً للمصطلحات السياسية والقانونية، كي يفهم بعض الجيل الجديد عليه، أو ربما عليهم هم أن يزيدوا من قراءاتهم وإطلاعهم على السياسة القديمة والجديدة معاً عندها يمكن أن تنتفي الحاجة الى ردود موتورة لا فائدة منها.

شارك المقال