أزمة اللاجئين السوريين… تعيد وحدة المسار والمصير؟

زياد سامي عيتاني

لبنان… البلد الصغير، ذو التركيبة السياسية والمجتمعية المعقدة، تبعاً لطبيعة النظام الطائفي الذي يحكمه، هو البلد الأكثر إستقطاباً للاجئين السوريين، منذ إندلاع الحرب السورية، وذلك لاعتبارات تتعلق أولاً بالعامل “الجيوسياسي”، بحيث أن الرئيس السوري السابق حافظ الأسد كان يعلن دائماً أن ما بين لبنان وسوريا صنعه التاريخ والجغرافيا، وأن الشعبين اللبناني والسوري هما شعب واحد في دولتين صنعهما الاستعمار الأجنبي. كذلك، فان العامل السياسي أسهم أيضاً في توفير البيئة الحاضنة للاجئين، بحكم إنقسام اللبنانيين بشأن تلك الحرب، خصوصاً بعدما طلبت إيران من “حزب الله” التدخل العسكري فيها لحماية نظام الرئيس بشار الأسد.

هذا العبء الكبير على لبنان المأزوم، أضاف إلى أزماته المتواصلة، أزمة كبرى وبالغة الخطورة على الصعد كافة، باتت تشكل “قنبلة” من العيار الثقيل، من شأنها إطاحة التركيبة اللبنانية السياسية والاقتصادية والأمنية والديموغرافية.

عندما بدأت حركة الاعتراض الشعبي في سوريا في 15 آذار 2011، لم يتوقع النظام في دمشق أنها ستتحول الى ثورة قبل أن تصير حرباً وجبهات، وقتالاً مفتوحاً على التدخلات الخارجية.

عاش لبنان آثار تلك الحرب وتداعياتها منذ بدايتها، بكل تطوراتها وتحولاتها، حتى بات لبنان المفتوح على الأزمة السورية، معلقة كل أزماته المستعصية عن الحلول الممكنة بتطورات الأحداث في سوريا وتتابعها، وكأن قدر هذا البلد أن يعيش في كل المراحل أسيراً لذلك الشعار “الشؤم”: “وحدة المسار والمصير”!

منذ البداية، انقسم لبنان تجاه طريقة التعاطي مع الأحداث في سوريا: قوى 14 آذار كانت أقرب إلى المعارضة التي كانت تتكون وتأخذ طابعاً سلمياً، و”حزب الله” مع حلفائه كانوا إلى جانب النظام. وتدرّج هذا الانقسام وتطور مع تطور تلك الأحداث وتحولها إلى حرب عسكرية اقتربت من الحدود اللبنانية ودخلتها.

ولتأمين الغطاء الرسمي لدخول “حزب الله” العسكري في الحرب السورية، وبالتالي زج لبنان في ما عرف لاحقاً بـ “محور المقاومة والممانعة”، إنقلب وزراء “التيار الوطني الحر” و”حزب الله” وحركة “أمل” على الرئيس سعد الحريري في 11 كانون الثاني 2011، وأسقطوا حكومته، من دون أن يدركوا أن الأحداث في سوريا ستداهم القرارين اللبناني والسوري، بحيث ذهبوا إلى تسمية الرئيس نجيب ميقاتي رئيساً للحكومة مكانه، والتي استغرقت حكومته خمسة أشهر لتتألف، وسط إنقسام اللبنانيين بين مؤيد ومعارض للنظام، وعلى الرغم من رفع ميقاتي شعار “النأي بالنفس”، فان حكومته كانت التغطية على تدخل “حزب الله” عسكرياً في هذه الحرب، وبالتالي لعشوائية دخول اللاجئين الى لبنان، من دون إخضاعهم للاجراءات القانونية المعتمدة.

وهذا الانقسام السياسي، حيال الحرب السورية، وإنخراط “حزب الله” فيها، مدعوماً من رئيس الجمهورية ميشال عون، مقابل ضعف الحكومة ومحدودية دورها، ومراعاة رئيسها لكل الأطراف، جعلت لبنان مستباحاً للنزوح السوري، بما يفوق أضعافاً مضاعفة قدراته شبه المعدومة على تحمل تبعات وجودهم سياسياً وأمنياً وإقتصادياً، حتى وصلنا إلى ما نحن عليه اليوم.

فالمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين تؤكد أن “عدد اللاجئين السوريين يبلغ حوالي المليون ونصف المليون، 865331 مسجلين في مفوضية شؤون اللاجئين و400 ألف عامل، من دون أن تشمل هذه الأرقام الذين يدخلون البلد بطرق غير شرعية”.

أما المدير العام السابق للأمن العام اللواء عباس إبراهيم، فسبق وكشف أن “عدد السوريين الموجودين في لبنان بلغ ما يقارب مليونين و80 ألفاً بمن فيهم النازحون”.

هؤلاء اللاجئون وصلوا تباعاً منذ العام 2011، تاريخ بدء الأحداث في سوريا، وسكنوا في تجمعات ومخيمات يقارب عددها الثلاثة آلاف، انتشرت عشوائياً في المناطق كلها خصوصاً في الشمال والبقاع، في ظل أوضاع مأساوية إجتماعية وحياتية، إلا أنهم تمكنوا مع مرور الوقت، من إعادة تموضعهم في مختلف المناطق اللبنانية، بعدما خرقوا سوق العمل بقوة في المجالات كافة، ما عزز من دخلهم، إذا ما أضيف إلى المساعدات التي يتلقونها بالدولار الأميركي من الأمم المتحدة عبر مفوضية اللاجئين و”اليونيسف” وغيرهما من جمعيات دولية تعنى بهم.

و”البحبوحة” التي توافرت لهم، جعلتهم يغيّرون نمط حياتهم المعيشية، فصاروا يستأجرون مساكن لهم، ويشترون مركبات، ويفتحون محالاً تجارية، ويقبلون على الزواج في سن مبكرة، وعلى الانجاب بأعداد هائلة (!)، ما اعتبر أن هذه الظاهرة السلوكية، باتت كفيلة بنفي صفة “النزوح” عنهم.

وترافق ذلك مع تحذيرات ومخاوف من أن يكون ثمة مخطط يهدف إلى إبقائهم في لبنان، خصوصاً إزاء تقاعس المجتمع الدولي (المتعمد)، الذي كان آخره قرار البرلمان الأوروبي.

هنا يجب الإقرار بعيداً عن المزايدات الطائفية والعنصرية، وبمعزل عن الجانب الانساني الأخلاقي، بأن الخطأ الأول الذي ارتكبه لبنان هو تسمية “نازحين” بدل “لاجئين”، معتبراً أن تلك التسمية بدعة، بحيث أن القانون الدولي يعتبر أن كل شخص إجتاز الحدود الدولية لبلده بات لاجئاً، وبالتالي ان صفة اللجوء وفق القانون الدولي لا تنطبق على جميع السوريين في لبنان، فالدول عادة تعطي خلال الأزمات لجوءاً أولياً لجميع الوافدين، وبعد ذلك تقوم بإعادة النظر بوضعية اللاجئ وذلك بالتنسيق مع الأمم المتحدة لمعرفة مدى إستحقاقه لصفة اللجوء، مشدداً على أن التقويم يتبدل بتغير الظروف التي دفعته الى الهجرة من بلده.

في حال أجرت السلطات اليوم “التقويم” على اللاجئين في لبنان، وهذا أمر يتطابق مع القوانين الدولية وحقوق الانسان، فإن نحو 60 في المئة من المشمولين باللجوء تسقط عنهم الصفة ويمكن إعادتهم إلى بلادهم.

إن عدم القيام بهذا الاجراء قرار سياسي، لإبقاء ملف اللجوء ضمن التجاذبات السياسية.

والخطورة في أزمة اللاجئين السوريين هي التخوف من التغيير الديموغرافي، بحيث تخشى الأوساط السياسية من أن يكون لبنان ضحية تغييرات ديموغرافية واسعة النطاق. فوفق إحصاءات أجراها الأمن العام حول توزيع المقيمين على الأراضي اللبنانية، تبين أن 66.6 في المئة من المقيمين لبنانيون، يليهم السوريون بنسبة 37 في المئة، والفلسطينيون 1.4 في المئة، وعدد السوريين في لبنان بلغ 2.089.000 نسمة، بينهم نحو مليون ونصف المليون لاجئ، بحيث استقر الرقم بعد قرار الحكومة اللبنانية بوقف تسجيل اللاجئين السوريين في 23 تشرين الأول 2014، ويقسم الرقم التقديري إلى مجموعتين، الأولى هم المسجلون رسمياً ويبلغ عددهم 831 ألفاً، والثانية وهم غير مسجلين وعددهم نحو 450 ألفاً.

وفي مسودة تقرير أعدته أوساط معنية بالملف تمت مقاربة كلفة النزوح السوري على لبنان ضمن ثلاث مراحل، الأولى تبدأ منذ اندلاع الحرب السورية وبداية النزوح وصولاً إلى 2014 حيث تقرر وقف تسجيلهم، والثانية من 2015 إلى العام 2019 حين بدأت الأزمة اللبنانية لتبدأ معها المرحلة الثالثة والمستمرة حتى اليوم.

وتتخوف الأوساط السياسية من أن الرئيس الأسد بات مرتاحاً الى التوزيع الديموغرافي الحالي، الذي يضمن إستقرار حكمه بالتخلص من نحو 10 ملايين معظمهم من الطائفة “السنية” الأمر الذي يجعله يضع عقبات في وجه إعادة اللاجئين في دول الجوار.

عملياً، لا يتجاوب نظام الأسد مع ملف اللجوء، ولم تحمّله السلطات اللبنانية رسمياً مسؤولية مباشرة لهذا الواقع، خصوصاً أن النظام السوري هو المستفيد الأول، إذ لا رغبة لديه في عودة السوريين، بعدما تعمد في مناطق واسعة إحداث تغييرات ديموغرافية.

الأسد لا يرغب في إعادة السوريين بلا تسوية شاملة، ما سيدفعه بعد الانفتاح العربي، الى الإستثمار السياسي والتفاوضي بهذا الملف ليس مع المجتمع العربي وحسب، بل أيضاً مع المجتمع الدولي، الذي له حسابات سياسية بالتعامل مع الأسد!

كذلك الأمر بالنسبة الى “حزب الله” الذي يتواجد عسكرياً في سوريا وخصوصاً لناحية المناطق الممتدة قرب الحدود السورية، إذ سهلت هجرة السوريين من مدينة حمص والقصير والقلمون وريف دمشق الشرقي، إضافة إلى الزبداني ومضايا ويبرود، الوجود فيها وتوسيع المجال الحيوي لمحافظة بعلبك – الهرمل اللبنانية نحو مساحات واسعة.

إذاً، ثمة معطيان يعرقلان عودة اللاجئين السوريين إلى بلادهم:

– الأول والأخطر يتمثل في عوائق تفرضها قوى الأمر الواقع في سوريا لأهداف جيو- سياسية ديموغرافية.

– الثاني قائم على فشل المجتمع الدولي في إنجاز حل سياسي للأزمة السورية، بحيث أن تطبيع العلاقات بين جامعة الدول العربية والنظام السوري لم ينتج حتى الآن أي خطوة إيجابية تجاه عودة اللاجئين، ما يعني أن هناك شكوكاً بإمكان إنتاج أي تقدم مستقبلي لمعالجة هذه الأزمة التي تنذر بإنفجار إجتماعي في لبنان!

بعد قرار البرلمان الأوروبي البالغ الخطورة على صعيد مستقبل لبنان وهويته ونظامه (!) هل يتحد الفرقاء اللبنانيون حول رؤية وطنية مشتركة تقارب ملف اللاجئين بموضوعية وعقلانية، لتشكل إستراتيجية ثابتة للتعاطي معه، بعيداً عن المزايدات والعصبيات، حتى لا نعود إلى نغمة “وحدة المسار والمصير”، و”شعب واحد في دولتين”؟

شارك المقال