تشاؤل…!

صلاح تقي الدين

عندما انتهى العهد القوي المشؤوم اعتقد معظم اللبنانيين أن بنهايته سوف تعود الأمور إلى مسارها الطبيعي، وحلمنا أن الانتخابات الرئاسية وإن تأخرت سوف تحصل في وقت قريب وتستقيم الحياة الدستورية وتتشكل حكومة تبدأ بوضع مسار الخروج من “جهنم”، غير أننا كنا كما دائماً متفائلين إلى أقصى الحدود وبعيدين كل البعد عن الواقع الذي ما برح يثبت أن أحلامنا بعيدة عن التحقق، فالانتخابات الرئاسية في مهب الريح، واستعادة انتظام عمل المؤسسات الدستورية لن تحصل قريباً والانهيار في هذه المؤسسات يسير بسرعة كبيرة قد تسبق كل محاولات الاصلاح والتغيير التي وعدنا بها من تسبب بهذه الأزمات.

والأنكى من ذلك كله، أن اللبنانيين، وضعوا آمالهم على الخارج لكي يحل لهم مشكلاتهم، فإذا بالدول التي يفترض أنها معنية بلبنان، تثبت للقاصي والداني أن آخر اهتماماتها معالجة الوضع اللبناني ولا تريد أي منها الغوص في الوحول اللبنانية، فأصبحت كل زيارات الموفدين منها إلى لبنان هي لاستمزاج آراء القيادات السياسية ودعوتها إلى حل مشكلاتها بالسرعة اللازمة ولا تستطيع أن تقوم بأي عمل آخر.

هذا ما أثبتته حركة الموفد الفرنسي جان إيف لودريان، وبات واضحاً من حركة الموفدين القطريين والمصريين والأوروبيين، وحتى الموفد الأميركي آموس هوكشتاين الذي جاء وغادر وبنيته كان فقط نجاحه في إبرام اتفاق ترسيم الحدود البحرية مع العدو الاسرائيلي، وذلك لمصلحة هذا العدو بالدرجة الأولى.

وهذا الكلام يوافق عليه مصدر نيابي “معارض”، إذ يشدد في حديثه إلى موقع “لبنان الكبير” على أننا عدنا بالانتخابات الرئاسية إلى المربع الأول إن لم يكن إلى ما دون ذلك، مع انتهاء اجتماع اللجنة الخماسية في العاصمة القطرية الدوحة، وليس هناك أي ضوء في نهاية هذا النفق الذي من المرجح أن يكون طويلاً وطويلاً جداً.

ويعتقد المصدر أن النجاح الوحيد الذي تحقق في اجتماع اللجنة الخماسية كان “ما تمكنت الديبلوماسية السعودية من انتزاعه من باقي فرقاء اللجنة من حيث التمسك باتفاق الطائف والبحث عن الحل للأزمة السياسية والرئاسية من خلال هذا الاتفاق، وعدم الذهاب نحو مغامرات جديدة مثل تغيير النظام أو مناقشة أي حل يفرض على اللبنانيين تبنيه”.

ويضيف المصدر: “قبل أن نجلد أنفسنا ونبحث عن تغيير الصيغة المعمول بها في لبنان حالياً، فلنبدأ فعلياً بتطبيق بنود الطائف وسوف يرى الجميع أن هذا الاتفاق هو أفضل ما لدينا بين أيدينا ولا داعي لتغييره أو المس بأي بند من بنوده. ربما هناك بعض الغموض في بعض مواد الطائف يمكن البحث في تحسينها، لكن يجب عدم المس بجوهر الدستور الذي لا ننسى أنه أنهى حرباً أهلية استمرت 15 عاماً”.

وعما إذا كان بقدرة البلد وأهله الانتظار طويلاً كي يتوافق المسؤولون السياسيون على ضرورة انتخاب رئيس للجمهورية في أسرع وقت ممكن، يقول المصدر: “هذا بلد العجايب. القدرة الشرائية للمواطن اللبناني انحدرت إلى أدنى مستوياتها وفقدت الليرة قيمتها بصورة هستيرية وارتفعت أسعار المواد الغذائية بدرجة كبيرة، وأصبح النق مصاحباً لحياة كل لبناني من الصباح حتى المساء ومع ذلك، ترى أن الكثير من المؤسسات التي أقفلت أبوابها في العامين 2019 و2020 عادت لتعمل من جديد، وبينما كان من المتوقع أن نشهد نزوحاً من التعليم الخاص إلى التعليم الرسمي، نرى أن المؤسسات التربوية الخاصة في أحسن حالاتها على الرغم من النق المشترك بين الادارة والأهالي والمعلمين، وعجقة السير مع ارتفاع أسعار المحروقات تجعلك في حيرة من أمرك وتدفعك إلى التساؤل حول كيفية تدبير الناس لأمورها، فهل في هذا الوضع جواب على سؤالك؟”.

ويستذكر المصدر النيابي عندما حاول الرئيس الراحل اللواء فؤاد شهاب الاتيان بخبير غربي لاصلاح النظام الاقتصادي الذي كان سائداً في أوائل ستينيات القرن الماضي، فخرج هذا الخبير بعد عدة أشهر قضاها في دراسة كيانية الدولة اللبنانية وميزان مدفوعاتها بنتيجة مفادها نصيحة بعدم محاولة إدخال أي بنود إصلاحية على ما هو قائم، فليس هناك بلد في العالم مثيل لهذا البلد من حيث قدرته على العيش وتخطي كل المعوقات.

ويستخدم المصدر في رد على سؤال عما إذا كان متفائلاً أو متشائماً بالنسبة الى المرحلة المقبلة مصطلح “متشائل” أي أنه يقع ما بين التفاؤل والتشاؤم. فهو لا يرى إمكانية لانتخاب رئيس جديد للجمهورية في مستقبل قريب وقد يطول الفراغ الرئاسي حتى مطلع العام المقبل، ولا حل لهذه الأزمة إلا من خلال الحوار، لكن هل من يسمع؟

وعما إذا كان الفراغ في حاكمية مصرف لبنان سيزيد من تدهور قيمة العملة الوطنية، يعتقد المصدر أنه لا بد للحكومة، قبل نهاية الشهر الحالي، من أن تتخذ قراراً صائباً في ما يتعلق بتفادي هذا الفراغ علماً أن قانون النقد والتسليف ينص على تسلم نائب الحاكم الأول منصب الحاكمية عند شغوره وهذا الأمر منوط بقرار القوى السياسية مجتمعة.

التشاؤل، مصطلح قد يكون في موقعه الصحيح على الأقل في الفترة القليلة المتبقية على نهاية ولاية حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، وبانتظار ما سيقدم عليه نوابه اليوم إذا قرروا الاستقالة يحيل المسؤولية على حكومة تصريف الأعمال التي عليها أن تكلفهم الاستمرار في تصريف أعمال المصرف المركزي، وربما اتخاذ قرار مفاجئ يتعلق بتمديد عمل الحاكم لفترة قصيرة، بحكم استمرار عمل المرفق العام.

شارك المقال