هل تتأثر العلاقات الفلسطينية – اللبنانية بمواقف الحسن؟

صلاح تقي الدين

لم يعد خافياً على أحد أن تصريحات رئيس لجنة الحوار اللبناني – الفلسطيني باسل الحسن على هامش تمثيله لبنان في أعمال الدورة الـ 110 لمؤتمر المشرفين على شؤون الفلسطينيين في الدول العربية المضيفة والذي عقد في مقر الأمانة العامة لجامعة الدول العربية في القاهرة، قد أثارت موجة غضب وسط كثير من القوى الفلسطينية في لبنان، التي اعتبرتها انحرافاً عن الهدف في كيفية البحث عن تمويل مالي لسد العجز في موازنة “الأونروا”.

وإذا كانت محاولات التخفيف من وطأة هذه التصريحات قد نجحت لغاية الآن في “ضبط” ردود الفعل فلسيطينيا ولبنانياً على المستوى الرسمي على الأقل، إلا أن الأسئلة الكثيرة التي تدور حول مستقبل هذه العلاقات لا تزال تطرح بين أوساط المراقبين حول “الأسباب” التي دفعت الحسن إلى تحميل اللاجئين مسؤولية الأزمة المالية التي تعصف بوكالة “الأونروا”.

وكانت قيادة فصائل منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان أصدرت بياناً استغربت فيه تصريحات الحسن وحصر أسباب الأزمة المالية التي تعاني منها “الأونروا” بتزايد احتياجات اللاجئين الفلسطينيين واتهام الوكالة بالفساد، ما يعطي المبرر للدول المانحة لعدم قيامها بواجباتها بالتمويل والتي تأتي ضمن سياق الضغوط التي تتعرض لها “الأونروا”.

وأكد بيان الفصائل أن “منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني أينما وجد ولا يستطيع كائناً من كان تجاوزها، وترفض قيادة فصائل المنظمة اطلاق المواقف التي تحمل في مضمونها تدخلاً سافراً في الشأن الداخلي الفلسطيني بالاساءة والتطاول واطلاق الاتهامات من مؤسسة المفروض أن يكون أساس عملها الجمع وحل قضايا اللاجئين وليس بث الفرقة داخل المجتمع الفلسطيني”.

غير أن مسؤول الملف الفلسطيني في الحزب “التقدمي الاشتراكي” الدكتور بهاء أبو كروم، يعتقد أن هذه الأزمة ليست جديدة وليست المرة الأولى التي تحصل فيها خلافات بين لجنة الحوار والأخوة الفلسطينيين، لكنها المرة الأولى التي تخرج فيها الأمور إلى العلن، خصوصاً بعد الموقف الذي أطلقته اللجنة في اجتماع القاهرة حول تحميل اللاجئين مسؤولية الأزمة المالية عبر القول بارتفاع حاجاتهم والكلام عن فائض التوظيفات التي يفرضها الفلسطينيون والفساد في “الأونروا”.

ويقول أبو كروم لـ “لبنان الكبير”: “إن ما أثاره الدكتور الحسن يصب في المصلحة الاسرائيلية التي تشن حملة لإلغاء الأونروا وإعادة تعريف اللاجئ بحيث يكون الذي ولد في فلسطين فقط. هذا الموقف غير المدروس إضافة إلى الدخول غير المتوازن في الميدان الفلسطيني أدى إلى رد فعل عبّرت عنه منظمة التحرير الفلسطينية في بيان اتهمت فيه اللجنة بالتدخل وإطلاق اتهامات وافتراءات تجاه المرجعيات الفلسطينية ومحاولة تجاوز منظمة التحرير”.

ومن المعروف أن الحزب “التقدمي الاشتراكي” كان من أكثر القوى السياسية على الساحة اللبنانية التي عملت بجهد لاثارة حقوق اللاجئين الفلسطينين، وقد نجحت هذه الجهود في تحقيق بعض المكتسبات على صعيد حقوق العمل الخاصة بهم، غير أن الظروف الحالية التي يمر بها لبنان تجعل من الصعب تحقيق خرق جديد على مستوى الحقوق الخاصة باللاجئين.

وبحكم التعاطي المباشر بملف العلاقات الفلسطينية – اللبنانية ممثلاً للحزب “التقدمي الاشتراكي”، لم يشأ أبو كروم التعليق على أداء لجنة الحوار اللبناني – الفلسطيني أو تصريحات الحسن، لكنه يشدّد على أن ليس من مصلحة أي جهة كانت التخدل في الشأن الفلسطيني الداخلي.

ويقول: “نحن ليست لدينا ملاحظات على أداء لجنة الحوار، هم أحرار في اختيار المنهجية التي يريدونها. نحن نحكم على النتائج واليوم الجميع يرى الدرك الذي وصلت إليه في علاقتها مع الأخوة الفلسطينيين، نتيجة إدخال نفسها في التفاصيل والتناقضات الفلسطينية، الكل يعرف أن لا أحد يستطيع تغيير الخريطة التمثيلية للفلسطينيين إلا الفلسطينيين ذاتهم، وليس من مصلحة أحد تجاوز هذه المسلمات. أضف إلى أن مسألة اللاجئين هي جوهر القضية الفلسطينية وأي تجاوز للرأي الفلسطيني في هذه المسألة يعتبر مساساً بجوهر القضية. وهناك رزمة من الأفكار التي تجول حول إدارة المخيمات وتنظيم الهيئات المشرفة عليها وعلاقاتها بالجوار وتنظيم الخدمات وإشراك الفئات والهيئات الأهلية ومواضيع تتعلق بالأونروا وغير ذلك من الأمور التي تناولناها في حواراتنا اللبنانية وتتطلب بالدرجة الأولى تبديد الهواجس الفلسطينية تجاهها، والمدخل إلى كل ذلك هو استكمال الحوار بين اللبنانيين والفلسطينيين والذي يكفل إزالة كل تلك الهواجس. طبعاً أتحدث عن الحوار السياسي الذي يفضي إلى تفاهمات سياسية تكفل استكمال إقرار الحقوق وتنظيم العلاقات بطريقة سوية”.

لكن أبو كروم يؤكّد أن الأزمة الحالية لن تؤثر على العلاقات الفلسطينية – اللبنانية لأن “العلاقات لا تختصرها لجنة الحوار، هي لجنة ذات طابع استشاري تقني اكتسب لاحقاً الحصانة السياسية عندما أقرت القوى السياسية والبرلمانية الرؤية المشتركة”، مضيفاً: “نحن نُطمئِن بأن العلاقات اللبنانية – الفلسطينية بألف خير وهي علاقة القوى والأحزاب والمرجعيات السياسية والأهلية التي بنت مداميك هذه العلاقة على أساس المصالحة وتجاوز آثار الماضي والشراكة مع القضية الفلسطينية مستفيدة من التجارب التاريخية وهذا الأمر لا يهزه خطأ من هنا أو هناك. هذه العلاقة التي تقوم على احترام المرجعيات التمثيلية للأخوة الفلسطينيين واحترام تضحياتهم وظروفهم المعيشية القاسية في ظل حرمانهم من الحقوق المدنية”.

ويجزم أبو كروم بأن “العلاقات اللبنانية – الفلسطينية لن تتأثر بالمشكلة الموجودة في لجنة الحوار لأن أداءها الحالي لا يعكس موقفاً وطنياً لبنانياً، ولا يمكن له أن يختصر كم من البنى والأسس التي راكمناها لحماية هذه العلاقة. لكن ذلك يسيء فقط إلى سمعة لبنان الرسمي الذي لا يحسن إدارة هذا الملف في هذه المرحلة الدقيقة التي تشهد تخبطاً على المستويات كافة”.

وفي هذا الإطار، يشدّد مصدر رفيع في منظمة التحرير الفلسطينية على مضمون البيان الصادر عن المنظمة خصوصاً في ما يتعلّق برفضه تحميل الفلسطينيين مسؤولية العجز المالي في “الأونروا”، معتبراً أن الكلام عن ازدياد احتياجات اللاجئين أو ارتفاع حجم التوظيفات فيه تجاوز للحقائق لا سيما بعد تراجع حزمة التقديمات التي تقدمها “الأونروا” نتيجة المشكلات المالية التي تتعرض لها.

ويقول المصدر الفلسطيني الرفيع لـ “لبنان الكبير”: “إن هذا الموقف شكل مفاجأة بحيث كان هناك تنسيق دائم لمواقف الأطراف العربية المشاركة في اجتماعات القاهرة خصوصاً تلك التي تستضيف اللاجئين الفلسطينيين”.

ويشدد المصدر على رفضه المواقف التي تنال من الشرعية الفلسطينية أو من المرجعيات التي تمثل الشعب الفلسطيني، “لا سيما وأن هناك حملة من الأضاليل والأخبار المفبركة التي نشرت في بعض الصحف وتزامنت مع المواقف الصادرة عن لجنة الحوار والتي أظهرت تدخلاً في الشأن الفلسطيني”.

ويؤكد أن “العلاقات اللبنانية – الفلسطينية تقوم على قاعدة الاحترام المتبادل وأن المنظمة حريصة كل الحرص على العلاقة الأخوية مع الأخوة اللبنانيين ومرجعياتهم السياسية والرسمية والدينية، وحريصة في الوقت نفسه على القرار الفلسطيني وكرامة أهلنا وشعبنا اللاجئ في المخيمات الفلسطينية في لبنان والشتات”.

شارك المقال