الحريري وجمهوره شمالاً: أمنية وثقة متجدّدة

إسراء ديب
إسراء ديب

لم تُؤسّس التغيّرات السياسية، الأمنية والاقتصادية التي عصفت بالمواطنين شمالاً، لأيّ تبدّل في المشهد السياسيّ منذ اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري عام 2005 وصولاً إلى يومنا هذا، فعلى الرّغم من الظروف التي استهدفت إحداث تعديلات كانت أطاحت أحياناً الثبات السياسيّ، إلا أنّ الذكرى الـ 19 لاستشهاد الحريري كانت مؤشراً واضحاً على وفاء الجمهور الشماليّ لهذه الشخصية التي شكّلت “حريرية” وطنية وإنسانية عجز الكثير من السياسيين محلّياً عن فكّ التعلّق بها من جهة، والمحبّة الواضحة لـ “ابن الشهيد” الذي عاد إلى بيروت لإحياء الذكرى، ما دفع هذا الجمهور إلى التوجّه بالآلاف لزيارة الضريح أوّلاً، ورؤية وجه “السعد” كما يُطلقون عليه ثانياً، من جهة أخرى.

وبدت الذكرى هذا العام مختلفة، بالشكل والمضمون، ففي وقتٍ سجّلت فيه محافظة لبنان الشماليّ وجود الآلاف من أبنائها لاحياء الذكرى في بيروت، يُمكن التأكيد أنّ بداية اليوم لم تكن تُشبه غيرها من الأيّام، إذْ يُؤكّد مواطنون لـ “لبنان الكبير” أنّ إيقاظهم من النوم حصل عبر طريقتيْن: الأولى عبر مكبّرات الصوت والأغاني المعروفة لدى تيّار “المستقبل” ومن يُناصره، والثانية عبر إلقاء بعض الشبان القنابل اليدوية، وهي حركة كانت جوبهت بالرفض والتنديد نظراً الى خطورتها وإزعاجها، فيما يعمد البعض الى تبريرها رغبة في ربطها بالمناسبة التي يرى الطرابلسيون أنّها كانت ولا تزال غير اعتيادية بالنسبة إليهم على المستويين الوطنيّ عموماً، والسنّي خصوصاً.

في ذكرى 14 شباط، بدت شوارع المدينة شبه فارغة “على غير عادة” والتزمت معظم محالها وأسواقها بالاقفال التامّ، فيما تابع آخرون مستجدّات الذكرى عبر الشاشات كيّ لا يفوّتوا عليهم لحظة نزول الرئيس الحريري من سيّارته للقاء بالناس ومروره بين الحشود وسط حماية أمنية والتفاف إعلامي لافت، بينما نظم آخرون بعض النشاطات الرياضية كتلك المتخصّصة بالأطفال مثلاً، رفعوا خلالها اللافتات التي ترمز الى مناسبة أيقظت الآلاف من الشماليين مبكراً للتوجّه وسط زحمة سير خانقة في مسيرات حاشدة وضعت الصور والأغاني المرتبطة بالذكرى مع المواكب السياسية التي جاءت من عكار شمالاً، مروراً بالمنية – الضنية وطرابلس وصولاً إلى بيروت.

ويُمكن القول، إنّ الضجّة التي أحدثتها الذكرى هذا العام كانت مختلفة لأنّها مرتبطة بأحداث سياسية دقيقة وبالحديث عن عودة الحريري، من هنا، تابع الطرابلسيّون والشماليّون تفاصيلها وكأنّهم يُشاهدونها للمرّة الأولى، مع العلم أنّ الكثير منهم أعرب عن قلقه من حال الرئيس الحريري الصحية بسبب “اللوك” الجديد أو “قصّة الشعر” التي أظهرته بصورة مختلفة أو نحيلة نوعاً ما خلافاً لصوره من قبل، لكنّهم كانوا يشعرون في الوقت عيْنه، بنصرٍ غريب وارتباط وثيق به، خصوصاً في ظلّ تسجيل ضعف واضح للسنّية السياسية في البلاد، ولهذا السبب، كان ينتظر بعض الحاضرين كلمة الحريري، آملاً أن يُعلن فيها عودته إلى العمل السياسي، لكن البعض منهم يؤكد لـ “لبنان الكبير” أنه شعر بخيبة أمل لدى معرفته بأنّ الوقت لم يحن بعد سياسياً لهذه الخطوة.

ويُشدّد أبو محمّد وهو من البداوي (يُعاني من صعوبات في المشي) على أنّ ما سمعناه من الحريري سواء أكان في ساحة الشهداء أو في مقابلته عبر “العربية” كان متوقّعاً هذه المرّة تحديداً، “وكنّا نأمل بمفاجأة مغايرة ينتظرها الحلفاء والخصوم، لكن يبقى قوله بأنّ كلّ شي بوقته حلو، مريحاً للغاية، إذْ تأتي هذه الجملة كدليل قاطع على عودته قريباً إنْ شاء الله، وربما يكون الحشد الذي شكّلناه إيجابياً لنوكّد وجود زخم سنّي وتقبّل جماهيري لوجوده وعودته إليْنا، لأنّه كان ابن والده بامتياز الا أنّ الظروف قست عليه سياسياً، لكن بالتأكيد كانت أيّام لبنان بوجوده تختلف عمّا هي خلال غيابه ونحن نثق به”. وأطلق الشماليّون على هذه الذكرى التي انتقلت من ساحة الشهداء إلى بيت الوسط، “يوم الوفاء”، اذ التقطوا صوراً تذكارية مع الحريري كما مع الأمين العام لتيّار “المستقبل” أحمد الحريري وغيرهما من الشخصيات المعنية بهذه المناسبة التي لم تشهد هذه المرّة دعوات “رسمية” واسعة كما كان يحدث سابقاً، بل خصّصت فعلياً للفئات الشعبية بصورة واضحة، والتي وجدت على الساحة مباشرة إمّا على نفقتها الخاصّة لاستعادة “الوهج” الأزرق بمبادرة ومحبّة شخصية، أو بإسهام من المنسقيات التي يُقال انّها دعمت من مبادرين، محبّين وبعض السياسيين.

ومن الحضور السياسيّ الذي يدور في فلك “المستقبل” طرابلسياً حضر النائب كريم كبارة مثلاً، وفي مواكب لافتة من عكار (انتشرت صورها على مواقع التواصل الاجتماعي وواجهت انتقادات الكترونية)، حضر كلّ من النائبيْن وليد البعريني ومحمّد سليمان اللذين شاركا في المناسبة التي “وضعاها على عاتقهما” وفق المتابعين الذين يُشيرون لـ “لبنان الكبير” إلى أنّ النائبيْن كانا قد شاركا في الذكرى، ودعما وجود “بعض” الحشد العكاري، كما شكرا المواطنين في عكار على هذه المشاركة. إذْ قال البعريني: “اليوم أثبتم أنّكم معي في كلّ الظروف، وإنْ شاء الله سأكون معكم في السراء والضراء”. أمّا سليمان فقال: “لكم منّا خالص الوفاء أهلي وأحبّتي في كلّ عكار وأبناء العشائر وشيوخها من الضنية وبيروت والبقاع والجنوب”، وهو ما يصفه المتابعون بأنّه “يوضح لهفة بعض السياسيين على الوحدة السنّية، وذلك عبر بذل الجهود والمساعدات كما بثّ رسالة واضحة تُؤكّد استمرار وحدة الصفّ وأنّ المناطق الشمالية لا تزال ذخراً للحريري كما كانت له دائماً، وهي معروفة أساساً بولائها ومحبّتها الشديدة له”، حسب المتابعين.

شارك المقال