بين إيران واسرائيل… برميل بارود أو فيلم هوليوودي؟

جورج حايك
جورج حايك

تستيقظ شعوب الشرق الأوسط وتنام كل ليلة على خبر حول الرد الايراني المنتظر على اسرائيل بعد الضربة التي تلقتها إيران بقصف قنصليتها في دمشق، وربما يحصل الرد قبل كتابة هذا المقال أو بعده، إلا أن لبّ الموضوع ليس هنا، إنما ما سيحصل بعد الرد، فهناك نظريتان: الأولى أن اسرائيل ستستغل رد ايران لتقلّم أظافرها عبر استهداف منشآت لها في الداخل الايراني، والثانية تُرجّح أن يكون الردّ الايراني مضبوطاً ومدروساً على الساعة الأميركية، وتنتهي ذيوله بضربة استعراضية بإخراج هوليوودي.

لا شك في أن الادارة الأميركية تبذل جهداً كبيراً لاحتواء الهجوم الانتقامي الايراني من اسرائيل، خوفاً من استدراجها إلى مواجهة كبرى على مستوى المنطقة. ويلفت صحافي عربي مقيم في واشنطن مطّلع على أجواء البيت الأبيض إلى أن “الولايات المتحدة تخاف من خطأ ما في الرد الايراني يؤدي إلى انفجار برميل البارود المحتقن في الشرق الأوسط”.

لكن ما هي الاستراتيجية الأميركية لتجنّب أي تهوّر إيراني؟ يجيب الصحافي العربي: “كالعادة تستخدم الادارة الأميركية أسلوب العصا والجزرة، فهي لوّحت بالعصا عبر تأكيدها أن دفاعاتها واسرائيل يُمكنها أن تكبح فاعلية أي هجوم وإسقاط الطائرات الايرانية من دون طيار أو صواريخ كروز أو الصواريخ الباليستية، وهي الأسلحة الثلاثة الأكثر احتمالاً للهجوم، وبالتالي ستكون جاهزة بعدها لمهاجمة إيران”.

ويضيف: “أما الجزرة فكانت عبر التواصل غير المباشر مع إيران، إذ سعى الرئيس الأميركي جو بايدن بكل الوسائل الديبلوماسية إلى إبلاغ إيران رسالة واضحة بضرورة عدم تجاوز الحدود عبر السفارة السويسرية في طهران. كما طلب مسؤولو الادارة من ديبلوماسيين من الصين والمملكة العربية السعودية والامارات العربية المتحدة وقطر والعراق تمرير الاشارة نفسها إلى القادة الايرانيين. وقد رد هؤلاء عبر السويسريين، بأنهم لا يريدون مواجهة مع الولايات المتحدة”.

ويتحدث الصحافي العربي عن جانب لا يعرفه كثيرون، بأن “المفاوضات الأميركية-الايرانية المباشرة في عُمان وغير المباشرة في سويسرا، فتحت كوّة أمل، بأن تتراجع إيران عن تنفيذ الرد إذا فرضت واشنطن وقفاً لإطلاق النار في غزة. وإذا حققت الولايات المتحدة ذلك، فسيعتبر نجاحاً كبيراً لإدارة بايدن على أبواب الانتخابات الأميركية”.

من المسلّم به أن إيران تشعر بالحرج عالمياً عموماً وأمام شعوب محور الممانعة خصوصاً، فإذا ردّت ستفتح أبواب جهنم اسرائيل عليها، وإذا لم ترد فستفقد هيبتها وتوازن الرعب الذي تزعمه. لذلك، تبحث عن وسيلة لتجنب الانتقام أو تأخيره، وتلعب على وتر “الحرب النفسية” التي تبرع فيها. لكن الصحافي العربي لا يستبعد الرد الايراني وفق عاملين: الأول، تجد الحكومة الايرانية نفسها مضطرة إلى اتخاذ إجراءات للحفاظ على سلطتها الداخلية وإرضاء قاعدتها السياسية والاجتماعية. الثاني، الالتزام برؤية مرشدها خامنئي، وهو يرى أن يكون أي رد محسوباً بدقة لتجنب التصعيد إلى حرب واسعة النطاق.

ويشير الصحافي إلى أن “الادارة الأميركية، في الحقيقة، ليست قلقة من إيران بقدر ما هي قلقة من اسرائيل بقيادة رئيس حكومتها بنيامين نتنياهو، لأنه يبحث عن طريق للهروب، واستفزاز الحكومة الايرانية ودفعها إلى القيام بعمل يستدعي تصعيداً كبيراً من شأنه أن يحوّل الانتباه عن المأساة في غزة ويرغم الولايات المتحدة على الاحتشاد خلف إسرائيل، التي تهدف إلى إطاحة النظام الايراني. وقد حذّرت اسرائيل عدوّتها إيران من أنها إذا قامت بالانتقام من عمليات القتل في دمشق، فإنها قد تأخذ الصراع إلى مستوى جديد”.

لكن ما سرّبته وكالة الاستخبارات الأميركية عن طبيعة سيناريو الردّ الايراني أي مهاجمة الأراضي الاسرائيلية عسكرياً عبر استخدام الصواريخ الباليستية أو الطائرات من دون طيار ضد أهداف داخلية إسرائيلية، يوحي بأن الردّ متّفق عليه كما يبدو مع الولايات المتحدة واسرائيل، وما يجري ليس سوى فيلم هوليوودي. ولا يستبعد الصحافي العربي المقيم في واشنطن هذا السيناريو أيضاً، “إذا حصل ذلك، ورضيت اسرائيل بالرد الايراني الناعم بذخائر خلابية، فتكون الولايات المتحدة قد أزالت صاعق التفجير، وإلا سترد إسرائيل بهجوم مباشر على إيران، وتتدحرج كرة الثلج نحو حرب شاملة في المنطقة قد لا تُحمد عقباها”.

واللافت أن معظم الخبراء العسكريين في العالم يعتبر أن إيران تدرك جيداً أن إسرائيل تتمتع بميزة عملياتية واستخباراتية واضحة عليها في صراع عسكري مباشر، دفاعياً وهجومياً، ويبدو أن المخاوف الايرانية بشأن الدخول في مواجهة مباشرة مع إسرائيل تفوق الرغبة في الانتقام.

ويوضح الباحث في شؤون الأمن والدفاع رياض قهوجي لـ “لبنان الكبير” أن ايران تبدو مثل “واحد داخل مشكل وعم يصرخ تركوني عليه بس ردوني عنه”، مؤكداً أن “السلطات الايرانية أبلغت اسرائيل عبر وسطاء أن ردها سيكون محدوداً على غرار الرد الذي حصل إثر اغتيال قاسم سليماني أي قصف محيط قاعدة في وقت يكون الجنود في الملجأ ولا يتأذى أحد، لكن إسرائيل رفضت وقالت انها ستضرب قلب طهران ان ردت من أراضيها. وليس سراً أن اسرائيل تملك دفاعات جوية متقدمة وعلى الأرجح ستدمّر معظم الصواريخ الباليستية والمسيّرات الايرانية في الجو، في حين أن طهران لا تملك دفاعات فاعلة ضد الصواريخ الباليستية الاسرائيلية وطائرات اف-35. من هنا، تريد طهران تفادي الحرج بقصف اسرائيل لعاصمتها من دون القدرة على وقف ذلك، وهنا المشكلة. اذا إسرائيل ردت على الرد الايراني فالحرب ستتوسع وتصبح داخل ايران وهذا آخر ما تريده. لكنها في موقف حرج جداً وهيبة ردعها أمام امتحان كبير ونحن على مفترق طرق”.

شارك المقال