طار الموسم السياحي أو بعد؟

جورج حايك
جورج حايك

تتجه أنظار كل القطاعات التي تتعاطى في الشأن السياحي إلى المواجهات الدائرة بين اسرائيل و”حزب الله” في الجنوب اللبناني، وتكاد تفقد الأمل من تكرار ما حققته من أرباح في صيف 2023، وبلغ ما لا يقل عن 6 مليارات دولار. واستمرار الوضع على هذا النحو يشكّل حالة استنزاف للسياحة في لبنان، إنما إذا توسّعت الحرب وشنّت اسرائيل هجوماً شاملاً عليه، فعندها ستقع الكارثة الكبرى على كل المستويات.

كل القطاعات السياحية في لبنان تأثرت بصورة سلبية بسبب الحرب الدائرة على الحدود مع إسرائيل، ولا مؤشرات إيجابية توحي بأن موسم الصيف سيكون واعداً، فالقطاع السياحي برمّته يعاني بسبب فريق قرر إقحام شعب لديه من المصائب ما يكفيه في حرب تؤخّر كل يوم فرصة إعادة إعمار “سويسرا الشرق”. باختصار، لا حجوزات ولا حماسة لدى المغتربين والسيّاح لزيارة لبنان، طالما أن “حزب الله” لا يحترم إرادة الشعب اللبناني الذي لا يريد الحرب ويُطالب بتطبيق القرارات الدولية وفي مقدمها القرار 1701، فهل يكون لبنان خارج الخريطة السياحية هذا الصيف؟

الصورة الموضوعية للوضع السياحي تحدّث عنها الأمين العام لإتحاد النقابات السياحية في لبنان جان بيروتي، معتبراً أن “السياحة الداخلية ناشطة في المناسبات والأعياد وخصوصاً من اللبنانيين الذين يعملون في الدول العربية، أما على صعيد الحجوزات في الفنادق فنعيش كارثة اليوم، اذ إن نسبة الإشغال فيها لا تتجاوز الـ10 في المئة في بيروت، أما خارجها فلا تتجاوز الـ5 في المئة وهذا يعني أن القطاع يعاني من موت سريري، فيما تبدو المطاعم أفضل حالاً وخصوصاً في وسط بيروت والجميزة وأنطلياس والبترون وقد سجلّت نسبة اقبال بلغت 80 في المئة، فيما الوضع خارج هذه الدائرة ليس بالمستوى المطلوب”.

ويلفت بيروتي إلى أن “الفارق بين هذه السنة والسنة الفائتة يبدو كبيراً، فالخسائر منذ بداية أحداث غزة واندلاع الاشتباكات في الجنوب في 7 تشرين الأول بلغت ملياري دولار، علماً أن قطاع السياحة حقّق العام الفائت ما لا يقل عن 6 مليارات دولار للدخل القومي باعتراف وزارة السياحة والبنك الدولي ومصرف لبنان، ونحن نلاحظ تدهور الوضع السياحي من ضعف الاقبال على تأجير السيارات والفنادق والأدلة السياحيين”.

واللافت أن المشهد السياحي المتوقّع للصيف المقبل لا يُطمئن، ويوضح بيروتي أن “الوضع اذا استمر على ما هو عليه في الجنوب حتى الصيف، فسيكون الموسم ضعيفاً، وما نراه أن لا حجوزات من المغتربين، فهؤلاء في ظلّ هذا الوضع قد يأتون في مناسبات قسرية كوفاة أو ما شابه، إنما لا يقصدون لبنان بدافع السياحة”.

لا شك في أن الوضع السياحي مرتبط إلى حد كبير بالوضع السياسي والأمني، وبالتالي يعيش لبنان حالة من اللااستقرار على هذا الصعيد، ويرى وزير السياحة السابق إيلي ماروني أن “أي ازدهار سياحي يحتاج إلى استقرار أمني وسياسي واقتصادي، ونحن في لبنان نفتقد العوامل الثلاثة. حتماً لا وجود للاستقرار الأمني والسياسي بسبب ما يحصل في الجنوب والبقاع، ومحاولات حزب الله للحلول مكان الدولة ومصادرة قرار السلم والحرب، إضافة إلى الفشل في انتخاب رئيس للجمهورية وحكومة تصريف أعمال عاجزة ومجلس نواب مشلول، وبالتالي لا حياة سياسية متكاملة ولا تشريعات. أما على الصعيد النقدي والمعيشي فنتخبّط في غلاء فاحش ولا مراقبة للأسعار، ما يؤدي إلى انعدام وجود بنية تحتية للإزدهار السياحي”.

ويؤكّد ماروني أن “لبنان خلال أعوام معيّنة لم يشهد إقبال سيّاح إنما مغتربون، باستثناء العراقيين والأردنيين، علماً أن المغتربين يقيمون في منازلهم أو منازل عائلاتهم، وبالتالي لا يمكن الاعتماد عليهم لتحريك العجلة السياحية الاقتصادية، فيما المطلوب جذب السائح أولاً”. ويقدّم ماروني أمثلة من خلال تجربته في وزارة السياحة عام 2009، حين وقّع اتفاقيات تبادل وترويج سياحي مع عدد كبير من الدول، وتمكّن من استقطاب ما لا يقلّ عن مليوني سائح من دون اللبنانيين والسوريين، وقد بلغت الأرباح نحو 6 مليارات دولار، لافتاً إلى أنه “يمكن الافادة من السياحة في لبنان على مدار 365 يوماً، إلا أن البنية التحتية غير مؤهّلة، ولو استطعنا ذلك لحققنا 10 مليارات دولار. لكن مع استمرار الحزب في سياسته الالغائية من الصعب المضي إلى الأمام”.

ويحمّل ماروني المسؤولية لـ”الحزب” والحروب التي يخوضها وآخرها جبهة المساندة لغزة، مشيراً إلى أن “الدويلة داخل الدولة دمّرت المؤسسات الرسمية والمرافق العامة ما أثّر على استقرار المطار ونشاطه وخدماته، وأضعف القوى الأمنية والقوى السياسية وأثّر على الدورة الاقتصادية، ونحن نتكلّم عن الحزب الذي يتحمّل المسؤولية كاملة، وأوصلنا إلى عجز على كل المستويات”.

لا يجزم ماروني في ما يخص الوضع السياحي في الصيف المقبل، ويقول: “تتضارب المعلومات، فثمة من يعتبر أن العمليات العسكرية في الجنوب ستبقى محدودة ومضبوطة، وثمة رأي آخر يُرجّح أن تتوسّع الحرب، إلا أن السياحة في الحالتين ستتأثّر سلباً، وصرخة أصحاب المؤسسات السياحية والفنادق والمطاعم والمسابح محقّة، فموسم الصيف المزدهر سياحياً يؤمّن 100 ألف فرصة عمل، والمؤسف أن السياحة ستُضرب في ظل الخوف من تطوّر الأوضاع في لبنان إلى الأسوأ”.

لا مفرّ من تطبيق القرار 1701 وكل القرارات الدولية لإنقاذ لبنان والموسم السياحي، إلا أن ماروني يختم: “تطبيق القرارات الدولية يتطلب وجود دولة، فمن سيراقب تطبيق القرار 1701 وسحب المسلّحين من الحدود 10 كيلومترات؟ الدولة حتماً، وهذا كلّه يتطلّب انتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة من الكفاءات بسرعة فائقة واعادة بناء المؤسسات الأمنية والقضائية، ما يعطي الرأي العام العربي والدولي ثقة حتى يُقبل على لبنان”.

شارك المقال