رفح على مسافة أيام من الانفجار أو الهدنة!

جورج حايك
جورج حايك

تعيش المنطقة على وقع تهديدات اسرائيل بإجتياح رفح حيث تزعم وجود رئيس حركة “حماس” يحيى السنوار وأبرز الكتائب المقاتلة والرهائن الاسرائيليين داخل شبكة الأنفاق في المدينة الجنوبية. ويبدو أن منسوب التهديدات ارتفع في الأيام الأخيرة، إلا أن المعركة لم تبدأ بعد لأن الظروف التي تحيط بها ليست مكتملة، بل ليست لمصلحة اسرائيل ورئيس حكومتها بنيامين نتنياهو يعرف ذلك، علماً أن الوقت ليس مفتوحاً، والمعلومات المتوافرة من واشنطن تشير إلى أن المهلة النهائية لا تتجاوز الأيام المعدودة.

فما هي الظروف التي تحول دون بدء المعركة حتى الآن؟

تتحدث المعطيات المتوافرة لـ”لبنان الكبير” من العاصمة الأميركية عن أن اسرائيل تجد نفسها مكبّلة بثلاثة عوامل أساسية: العامل الأول هو رفض الرئيس الأميركي جو بايدن لعملية عسكرية بمعنى اجتياح عسكري كامل لا يأخذ في الاعتبار المدنيين، وهذا ما أبلغه وزير الخارجية الأميركي أنطوني بلينكن الى المسؤولين الاسرائيليين في زيارته الأخيرة منذ أيام قليلة. وطرح أسئلة عدة عن الخطة العسكرية والتدابير التي سيأخذها الجيش الاسرائيلي لحماية المدنيين، فيما لم يسمح للفلسطينيين الذين نزحوا سابقاً إلى رفح سابقاً بالعودة إلى الشمال. وحتى لو عادوا، فقد تحول العديد من منازلهم إلى أنقاض!

لم يقتنع بلينكن بكلام المسؤولين الاسرائيليين، بأن القوات الاسرائيلية ستقصف رفح وتدخل بالمركبات المدرعة لإلقاء القبض على مقاتلي “حماس” وقتلهم بينما تقوم وحدات القوات الخاصة بالبحث عن الرهائن!

مع ذلك، تؤكّد المعطيات الواردة من واشنطن أن إدارة بايدن ليست ضد الاقتصاص من “حماس” بالمطلق في رفح، بل تؤيّد ضربات “دقيقة” للتنظيم المسلّح وعمليات كومندوس جراحية، من دون تعريض المدنيين الذي يبلغ عددهم ما لا يقل عن مليون نسمة للخطر، وهذه حتماً نقطة خلافية بين واشنطن وتل أبيب.

العامل الثاني وفق المعطيات من واشنطن يتعلق بخلافات اسرائيلية داخلية في حكومة الحرب بين نتنياهو وبعض الوزراء المتشددين مثل ايتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش اللذان يؤيدان بدء العملية العسكرية فوراً في رفح حفاظاً على هيبة اسرائيل ولإنهاء “حماس”، فيما نتنياهو لا يزال متردداً ويقوم بحسابات سياسية ويعطي مزيداً من الوقت للمفاوضات مع “حماس” للوصول إلى هدنة وإجراء صفقة تبادل ممكن أن تنهي الحرب من دون معركة حاسمة في رفح.

أما العامل الثالث الذي تتحدث عنه المعطيات الأميركيّة ويمنع اسرائيل من بدء المعركة الأخيرة فهو المفاوضات الجارية على خطي قطر ومصر للاتفاق على وقف اطلاق النار وإطلاق سرائح الرهائن الاسرائيليين من جهة والمعتقلين الفلسطينيين من جهة أخرى. وليس سراً أن الشرق الأوسط يشهد زحمة ديبلوماسيين دوليين على هذا الصعيد، ويبدو المشهد كأن هناك سباقاً بين اندلاع المعارك أو التوصّل إلى هدنة، وقد جاءت زيارة بلينكن الأخيرة إلى المنطقة لإعطاء دفع لهذه المفاوضات، وشملت جولته المملكة العربية السعودية للقاء مسؤولين من 6 دول عربية، وهنا بيت القصيد، وهذا ما يُبرّر تردد نتنياهو الذي يغريه استكمال عملية التطبيع مع السعودية، علماً أن معركة رفح قد تؤخّر وربما تطيح إمكان حصول ذلك إذا بدأت وأدت إلى مجازر بحق المدنيين الفلسطينيين.

ما يجري اليوم في الكواليس محاولة أخيرة للتوصّل إلى اتفاق بين اسرائيل و”حماس” قد ينهي الحرب، وثمة بنود تمّ الإتفاق عليها، كما أكّدت المعطيات من العاصمة الأميركية، إلا أنها لا تزال تحتاج إلى مزيد من المفاوضات حول صفقة اطلاق الرهائن والمراحل التي سيتم بموجبها تسليم الرهائن، أي المرحلة الأولى ستشمل النساء والأطفال والمرضى والمسنين، مقابل وقف مؤقت لإطلاق النار والافراج عن الأسرى الفلسطينيين الذين تحتجزهم إسرائيل، ثم تبدأ المفاوضات بشأن مرحلة ثانية يتم فيها إطلاق جميع الرهائن المتبقين مقابل إنهاء الحرب.

أما في حال فشل المفاوضات بعد أيام معدودة، فتنوي اسرائيل القيام بالعملية بعد تحميل “حماس” مسؤولية فشل المفاوضات، وتؤكّد المعطيات من واشنطن أن من المحتمل نقل المدنيين إلى المواصي، وهي منطقة إنسانية محددة، لكنها مكتظة بالفعل بالنازحين، وخصوصاً أنها تفتقر إلى البنية التحتية، بما في ذلك المياه النظيفة والمراحيض، للتعامل مع مثل هذا التدفق الهائل، ما يتعارض مع رغبة الادارة الأميركية في خطة مفصّلة لحماية المدنيين قبل الغزو.

ولا شك في أن المشهد العسكري الاسرائيلي في كامل جهوزيته، إذ تتجمّع قوات الجيش الاسرائيلي على طول الحدود في انتظار الضوء الأخضر لتدمير كتائب “حماس” الأربع المتحصنة في مدينة رفح: يبنا (جنوب)، الشابورة (شمال)، تل السلطان (غرب) وشرق رفح.

صحيح أن هناك خلافات داخلية في اسرائيل، لكن كل الفرقاء يعتبرون أن المواجهة مع “حماس” هي معركة وجود، ولن يتخلوا عن خيارهم العسكري بسهولة من دون أن يضمنوا إنهاء القدرات العسكرية للحركة الفلسطينية الاسلاميّة المرتبطة تدريباً وتسليحاً وتمويلاً بإيران.

شارك المقال