بشير وأنطوان نجم لم يفارقا “القوات” يوماً!

جورج حايك
جورج حايك

قيل الكثير عن تعيين أستاذ “المقاومة اللبنانية” أنطوان نجم عضواً في الهيئة التنفيذية لـ”القوات اللبنانية”، وقد أعطي أبعاداً بعضها صحيح وبعضها الآخر يمكن وصفه بـ”الشطحات” غير المنطقية حتى لا نقول غير البريئة.

لا شك في أن رمزية انضمام نجم إلى قيادة “القوات” برئاسة سمير جعجع، تعني الكثير للمجتمع المسيحي عموماً والقواتي خصوصاً، فالرجل يحمل فكراً متّقداً على الرغم من تقدّمه في السن، وقد رافق مرحلة نشأة المقاومة اللبنانية منذ العام 1975 والمراحل الأخرى، وخاض تجربة غنية مع مؤسس “القوات” بشير الجميّل، بحيث آمن الأخير بفكره في ظروف مختلفة عشية الحرب اللبنانية، وحتماً تأثّر نجم بتداعيات هذه الحرب، علماً أن تبنيه للمشروع الفيدرالي والتنظير له آنذاك، كان مبرراً وله أسبابه، نتيجة قراءة تاريخية أثبتت أن بعض المكوّنات الطائفية اللبنانية خلال التاريخ المعاصر، تبنّى مشاريع خارجية مستوردة، وللأسف انخرط بها وبايعها، بل تحالف معها بالحرب على حساب “القومية اللبنانية” التي ينتمي إليها نجم، لذلك بشّر آنذاك بالفيدرالية التي تعتبر نظاماً اتحادياً تطبّقه دول عريقة تُعرف بتعدديتها، فأعطت خصوصيّة لكل فئة من فئات شعبها ما أراحها وجعلها مستقرة.

ولا يختلف اثنان على أن بشير اقتنع بفكر أنطوان نجم في مرحلة من المراحل، عندما دعت الحاجة إلى ذلك، وكان المسيحيون يشعرون أنهم غير مرتاحين للصيغة الهشّة التي كانت تحكم البلد، فيتعرضون لأخطار كلّما أتت موجة طموحة من الخارج لتضرب الكيان اللبناني والسيادة والحرية.

لكن بشير وضع مشروع نجم على “الرفّ” عام 1982 عندما شعر بأن كل المكوّنات اللبنانية الطائفية تجمّعت حوله، ووجد أن لا داعي لخسارة هذا الاجماع الوطني عليه كرئيس منتخب خلال الـ21 يوماً التي تلت انتخابه عبر تمسّكه بمشروع الفيدرالية الذي لم يكن هناك اجماع حوله، بل ينقّز المسلمين. أما نجم فكان يرى كل ذلك، خائفاً على بشير، وقد صدق حدسه، فامتدت أيادي الغدر واغتالت الرئيس الشاب قبل أن ينتقل إلى قصر بعبدا.

إذاً ليست مسألة نجم مع الفيدرالية فوبيا من “المحمودات” ولا حلماً بالتقسيم، كما يحلو للبعض وصفه، لأن الفيدرالية ليست تقسيماً، وهذا خطأ شائع. ولا بد من اعطاء نجم حقّه، فهو لم يكن يوماً عسكرياً ولا تعاطى بالشؤون الأمنية حتى في ذروة احتكام “القوات” الى السلاح خلال الحرب، بل هو رجل فكر ولا يزال، ويعرف أن الفيدرالية مشروع لا يمكن أن يُطبّق بالقوة والفرض، إنما بالتوافق والإقناع، وهذا ما يلتقي به مع “القوات” اليوم، على الرغم من أن الحزب بقيادة جعجع اليوم لا يتبنى الفيدرالية، ولا يزال يعتمد اتفاق الطائف الذي توافق عليه جميع اللبنانيين، مسلمين ومسيحيين. لكن نجم و”القوات” يعرفان أن الطائف غير مطبّق اليوم بسبب سلاح “حزب الله” وانقلابه على الدستور، وبالتالي لا أحد يمكنه أن يختبئ خلف أصبعه، ولا يمكن الاستمرار في الإنكار بأن هناك مشكلة بل معضلة في لبنان لا بد من حلّها، ويجب التفكير في حلول واقعية تشبه المجتمع اللبناني، لا الاستمرار في تركيبة سياسية هجينة، تسمح بالفوضى واستئثار فئة لبنانية معيّنة بالحكم.

وهنا الحاجة الى وجود أنطوان نجم في الهيئة التنفيذية لـ”القوات”، فهو حتماً قيمة إضافية برمزية حضوره لاجتماعات الهيئة، وكان دائماً الجندي المجهول الذي لعب دوراً أساسياً في صناعة ثقافة فكرية مقاومتية جديدة مبنية على الوضوح والتجرّد والاستقامة والشفافية والحرية، وقد ساهمت وتسهم في إعلاء شأن القضية. ويُعتبر بالنسبة إلى القواتيين أيقونة فريدة من نوعها، وتحرص قيادة “القوات” على دوره من أجل الاستنارة بفكره وخبرته في خط المقاومة.

لكن الخطأ الأساسي الذي وقع فيه البعض كان وضع تعيين نجم في خانة عودة “القوات” إلى خط بشير ومرحلته العسكرية في المقاومة، علماً أن “القوات” بقيادة جعجع لم تتخلَّ يوماً عن الخط البشيري، إلا أنها مرّت بظروف مغايرة وتتطلّب مقاربات مختلفة لأن الحياة ليست ثابتة وجامدة، وكان يترتب على “القوات” مواكبتها بوسائل وأسلحة أخرى مختلفة عن حقبة بشير إنما بالروحيّة ذاتها. إضافة إلى ذلك، لم تنقطع العلاقة بين قيادة “القوات” ونجم يوماً، والاتصالات كانت قائمة دائماً معه كمرجعية فكريّة، إلا أن جعجع وجد من الضرورة تقديراً لمكانته ولحاجة الحزب إلى فكره الواسع وخبرته أن يكون في الهيئة التنفيذية، وبالتالي لا داعي للتأويلات والتحليلات، فلا شيء تخفيه “القوات” ولا شيء تخجل به: فكرها واضح وممارستها للسياسة والشؤون الوطنية تحصل في وضح النهار، وبالتالي لا أحد يفكّر في تغيير التركيبة السياسية إذا التزم الجميع بـ”الطائف”، وباتت الدولة قوية وتبسط سلطتها على أراضيها كاملة. وليست “القوات” من يجب أن تسأل عن تطبيق وثيقة الوفاق الوطني بل من ينحرها كل يوم بسلاحه وفائض القوة التي يستخدمها لضرب المؤسسات ومصادرة القرار الاستراتيجي بالسلم والحرب.

هناك تكامل بين “القوات” ونجم، وحضوره فيها يعزّز رصيدها وخطها وصدقيّتها، وما أحوج لبنان، وليس “القوات” فقط، الى حكماء مثل أنطوان نجم!

شارك المقال