هل تنهي معركة رفح حرب غزة؟

جورج حايك
جورج حايك

احتدمت المواجهات في رفح، وثمة من يعتقد أن هذه المعركة ستكون الأخيرة بحيث تقضي اسرائيل على الكتائب الأربع المتبقية لحركة “حماس” فيها، بحيث تخضع لشروطها ويحقق رئيس حكومتها بنيامين نتنياهو انتصاراً يمكن أن يطيل أمد بقائه في السلطة. هذا ما قرأه كثيرون في الصحافة الاسرائيلية طوال الفترة التي سبقت بدء العمليات في رفح، لكن ما يجري في الميدان يؤكّد أن مهمة اسرائيل لن تكون سهلة في رفح، بعدما أظهر مقاتلو “حماس” قدرة على التكيّف مع ظروف الحرب، واستغلال وجود عدد كبير من المدنيين، وربما ستطول معركة رفح أسابيع طويلة، نظراً إلى الضغوط الأميركية على نتنياهو للحرص على المدنيين، وهذه معطيات لا تخدم اسرائيل واستراتيجية الأرض المحروقة التي اعتمدتها في كل أرجاء قطاع غزة.

فماذا تواجه اسرائيل على أرض الواقع؟ يجيب الباحث في شؤون الأمن والدفاع رياض قهوجي: “ان ما تواجهه في رفح لا يختلف عما واجهته في خان يونس أو حتى شمال غزة، لكن الفارق في رفح أنها تحوي كماً هائلاً من المدنيين، تطلب منهم اسرائيل أن يتّجهوا إلى مناطق حددت بأنها آمنة، إلا أن المنظمات الدولية اعتبرتها غير صالحة لبناء مخيمات لأنها لا تتضمن بنية تحتية، وبالتالي هي غير صالحة للسكن”.

عندما هاجمت اسرائيل شمال غزة، لجأ العديد من المدنيين إلى الجنوب وأقاموا في مبانٍ مؤهّلة للسكن، فيما لم يعد الشمال صالحاً اليوم ليعود اليه الفلسطينيون، والاشكالية الكبيرة التي تعوق اسرائيل هي عدم توافر أماكن غير مدمّرة في غزة.

ولا شك في أن اسرائيل لم تغيّر استراتيجية الأرض المحروقة التي اعتمدتها في شمال غزة وخان يونس، لكن قهوجي يؤكّد أن “اسرائيل هذه المرة تجد نفسها مضطرة إلى التمهّل أو العمل بصورة تدريجية بهدف اعطاء الوقت للمدنيين، قدر الإمكان، حتى يخرجوا من المناطق المستهدفة في رفح”.

وليس سراً أن اسرائيل عرقلت المفاوضات غير المباشرة مع “حماس” التي كانت تقودها مصر وقطر، إذ تضمن الاتفاق بنوداً رماديّة يمكن أن تعتبرها “حماس” انتصاراً أو انجازاً، ويعتبر قهوجي أن “نتنياهو لم يكن بإمكانه الا اعتماد الخيار العسكري لأنه لا يمكن أن يخرج من الحرب من دون انتصار أو مكسب كتحرير الرهائن أو القضاء على قيادات حماس، وخصوصاً أن هدفه إطالة أمد الحرب وهو يُدرك أن ليس من مصلحته الموافقة على اتفاق ينهي الحرب”.

ميدانياً، يظن قهوجي أن المعركة في رفح قد تدوم أسابيع ولا مؤشرات واضحة حتى الآن على سرعة تقدّم اسرائيل، فالمعركة لا تزال في بداياتها. ويضيف: “إذا طالت المعركة فلن تكون لمصلحة اسرائيل، بل قد تنعكس عليها سلباً نتيجة الضغوط الدولية ولا سيما الادارة الأميركية الغاضبة من الخيار العسكري الذي اعتمده نتنياهو في رفح وخلافه مع الرئيس جو بايدن، ونشاهد في الاعلام الغربي نشاطاً غزيراً لإظهار البُعد الانساني والمعاناة الفلسطينية، وهذا ما سيؤثّر سلباً على اسرائيل وسمعتها في الخارج”.

في المقابل، تحدث كثيرون عن مغادرة عدد كبير من مسلحي “حماس” إلى الشمال، وفتح جبهة جباليا، وتحدثت اسرائيل عن مخاوف من قدرة “حماس” على إعادة تنظيم صفوفها. لكن قهوجي يوضح ما يحصل ميدانياً: “ليس هناك هروب لمسلحي حماس نحو الشمال، بل ان بعض المسلّحين الذين كانوا يختبئون في الأنفاق في شمال غزة وتحديداً في جباليا تحوّل إلى خلايا بدلاً من أن يكون كتائب منظّمة، هؤلاء استعادوا نشاطهم مستغلين تكتيك الجيش الاسرائيلي الذي كان ينفّذ مهام عسكرية ثم ينسحب ليتجنّب الكمائن والأفخاخ، لذلك عاد الجيش الاسرائيلي إلى مهامه في جباليا حيث يجري عملية تطهير جديدة، وهذا كلّه يخدم أهداف نتنياهو بإطالة أمد الحرب وبأن المهمة لم تنتهِ بعد”.

كل ما يحصل في الميدان ودوائر القرار الاسرائيلي لا يبشّر بأن حرب غزة ستنتهي مع نهاية معركة رفح، بل يبدو أن الحرب طويلة، وهذا ما يؤكّده قهوجي: “تروّج اسرائيل بأن الحرب لن تنتهي قبل اطلاق جميع الرهائن واستسلام قيادات حماس، وهي أبقت الباب مفتوحاً أمام خروج هؤلاء من غزة. وطالما أن أكثرية الأعضاء في الكنيست الاسرائيلي مع خيارات نتنياهو، وأكثرية الشعب مؤيدة لاستمرار الحرب يعني أنها لا تزال طويلة، وبالتالي سيمضي نتنياهو بها، بصرف النظر عن مواقف بايدن الغاضبة ومصلحته الانتخابية”.

من جهتها، قد تكون “حماس” قد أعدت العدة لحرب طويلة، وهذا ما يعتبره قهوجي احتمالاً قائماً، وكل المعطيات تشير إلى أن الحرب ستستمر بعد معركة رفح، ولا شيء يمنع من استمرارها إلى ما بعد الانتخابات الأميركية في تشرين الثاني المقبل، والأنظار ستتجه إلى جنوب لبنان بعد غزة، حيث لا شيء يمنع نتنياهو من توسيع الحرب لفرض شروطه على “حزب الله” وإبعاده عن الحدود وإعادة سكّان الشمال الاسرائيليين إلى بيوتهم!

شارك المقال