نهاية عصر السلام الأميركي؟

حسناء بو حرفوش

هل انتهى عصر السلام الأميركي وما البديل؟ الإجابة حسب الكاتب والباحث الجيوسياسي ماكوبين أوينز، رهن بالدور الذي تريد الولايات المتحدة التمسك به أو التخلي عنه. ووفقاً لأوينز، “بعد أن هزمت الولايات المتحدة الاتحاد السوفياتي في أوائل التسعينيات وأنهت الحرب الباردة، وجدت نفسها في وضع جيد. ومع انهيار الاتحاد السوفياتي، صدق البعض رواية نهاية التاريخ، التي زعمت أن الديموقراطية الليبرالية انتصرت باعتبارها الإيديولوجية العالمية، بعد أن هزمت الفاشية والشيوعية. وعلى الرغم من استمرار الصراع على مشارف النظام العالمي الليبرالي، بقي الاتجاه نحو عالم أكثر أمناً وازدهاراً ثابتاً. وشكلت العولمة العنصر الاقتصادي في رواية نهاية التاريخ أي انتصار الرأسمالية الليبرالية.

واستكملت رواية “نهاية التاريخ”، حسب المقال الذي نشر على منصة golocalprov السياسية، بسردية “المتفائلين التكنولوجيين” الذين “رأوا أن الولايات المتحدة قادرة على الحفاظ على موقعها المهيمن في النظام الدولي من خلال قوتها وتفوقها التكنولوجي. وتقبل العديد من صناع السياسات في الولايات المتحدة فكرة أن الجمع بين الانتصار الواضح لليبرالية على الشيوعية من ناحية والهيمنة التكنولوجية الأميركية من ناحية أخرى يضمن هيمنة الولايات المتحدة على النظام العالمي.

كان لمزيج من نهاية التاريخ والقصص المتفائلة التكنولوجية تأثير كبير على إدارات بيل كلينتون وجورج بوش وباراك أوباما وجو بايدن. ولسوء الحظ، كما يتضح من أحداث 11 أيلول، ومسار الحروب في العراق وأفغانستان، والغزو الروسي لأوكرانيا، والصعود العسكري للصين، وفشل العديد من الدول الإسلامية في اعتناق الليبرالية، ومؤخراً، الدور الذي تلعبه الصين في هذا الصدد في ما يتعلق بإيران ووكلائها في الشرق الأوسط، لا يزال الحديث الاستراتيجي يتعارض مع الواقع الجيوسياسي. ومن المؤكد أن العالم أصبح اليوم أكثر خطورة مما كان عليه خلال الأيام الذهبية في التسعينيات.

وهناك مبرر لاستئناف الولايات المتحدة دورها كضامن للنظام الجيوسياسي الليبرالي. ويكمن المنطق في مفهوم استقرار الهيمنة، الذي يرى أن النظام العالمي الليبرالي لا ينشأ تلقائياً نتيجة ليد خفية عالمية. وبدلاً من ذلك، يتطلب مثل هذا النظام: قوة مهيمنة، ودولة راغبة وقادرة على تزويد العالم بالسلع الجماعية المتمثلة في الاستقرار الاقتصادي والأمن الدولي.

ووفقاً لنظرية استقرار الهيمنة، البديل لقوة الولايات المتحدة هو عالم أكثر فوضى وأقل أمناً. وكانت السابقة بالنسبة الى الولايات المتحدة هي اضمحلال السلام البريطاني، الذي يربطه كثر بخلق الظروف الملائمة لاندلاع الحربين العالميتين في القرن العشرين. ومع تراجع الهيمنة البريطانية، انشقت الدول الأصغر التي كانت لديها في السابق حوافز للتعاون مع بريطانيا وانضمت إلى قوى أخرى، الأمر الذي أدى إلى تفتت النظام الدولي.

النتيجة ترجمت بالحرب والكساد. ويمكن القول إن تراجع القوة الأميركية أدى إلى نتيجة مماثلة. ولم يكن تراجع القوة الأميركية أمراً محتوماً، فقد حدث بسبب القرارات السياسية. ومن ناحية أخرى، نبذت إدارة جورج بوش الحكمة جانباً، وشرعت في السعي الى إعادة تشكيل العالم على أساس نموذج ديموقراطي ليبرالي. وتعثر هذا المسعى بسبب النزعة القبلية والدينية في أفغانستان والعراق. ومن عجيب المفارقات أن هذه الجهود المتغطرسة لإعادة تشكيل النظام الدولي ساهمت في صعود الصين بطريقتين: أولاً من خلال إنفاق موارد محدودة على حروب ما بعد 11 أيلول؛ ومن خلال التصرف بناءً على الاعتقاد الخاطئ بأن الصين كانت على استعداد للالتزام بمعايير الأممية الليبرالية.

ما هو المستقبل البديل الذي قد ينتظر الولايات المتحدة إذا تخلت عن الدور العالمي؟ ربما أقل التبعات خطورة هي العودة إلى توازن القوى الذي ساد في أوروبا سابقاً والذي أدى الى اندلاع الحرب العالمية الأولى. ومن ثم، هناك نظام السلطة الذي تقوده الصين والذي يتسم بالسيطرة الاستبدادية والديناميكية الاقتصادية. ولا شك في أن الصين تعاني من العديد من المشكلات الداخلية، وتحديداً الديموغرافية، وقد لا ينشأ مثل هذا النظام العالمي إلا بالحرب. وأخيراً، من الممكن أن نتصور انهياراً حقيقياً للنظام ينشأ عن الفوضى الدولية، على نحو أشبه بما حدث في أعقاب الحرب العالمية الأولى. وفي كل الأحوال، يوشك العالم أن يصبح مكاناً أقل ملاءمة للحريات، وتسود فيه نسبة أكبر من العنف والفوضى”.

شارك المقال