لبنان “سجين” السوريين… اللاجئين والمحكومين

زياد سامي عيتاني

منذ وقوع الأزمة الاقتصادية الحادة في لبنان أواخر العام 2019 تدهورت أوضاع السجون بصورة حادة ووصل الاكتظاظ فيها إلى مستويات خطرة و”أدى إلى تردي الأوضاع الانسانية والظروف الحياتية المعيشية والخدماتية والصحية والغذائية والأمنية”، بحسب ما جاء في رسالة من قوى الأمن الداخلي إلى منظمة “هيومن رايتس ووتش” في تموز 2023. وأسباب الاكتظاظ تشمل زيادة معدلات الجريمة وبطء إجراءات المحاكمة، وعجز كثير من السجناء الذين قضوا مدة عقوبتهم عن دفع رسوم تخلية السبيل.

وبحسب تقرير لـ “هيومن رايتس ووتش” نشر في شهر آب 2023، شكا أهالي السجناء من أن الطعام داخل السجون أصبح “غير كاف ورديء النوعية لدرجة أنه غالباً ما يكون غير صالح للاستهلاك”. أما منظمة العفو الدولية فحذرت في تقرير نشر في حزيران 2023 من تضاعف عدد الوفيات في مراكز التوقيف والسجون اللبنانية عام 2022 مقارنة بـ 2018 وقبل بدء الأزمة الاقتصادية. وتظهر إحصاءات مديرية السجون في وزارة العدل أن عدد السوريين الموجودين في السجون اللبنانية حتى كانون الأول 2023، بلغ 1769 سجيناً من أصل 6153، أي ما نسبته 28.75 في المئة من مجموع النزلاء. أما عدد الموقوفين السوريين في النظارات وحتى التاريخ نفسه فقد بلغ 107 من أصل 354، أي ما نسبته 30.22 في المئة، وتشمل هذه الأرقام الأحداث والرجال والنساء. والقسم الأكبر من الموقوفين السوريين كما اللبنانيين ينتظر الخضوع للمحاكمة، بحيث ان نحو 80 في المئة من السجناء في لبنان موقوفون احتياطاً ولم يحاكموا بعد.

يذكر أن لبنان يستضيف نحو مليوني سوري، أقل من 800 ألف منهم مسجلون لدى الأمم المتحدة، وهو أعلى عدد من اللاجئين في العالم نسبة لعدد السكان. وبحسب مصادر وزارة الداخلية، هناك 300 ألف لاجئ لديهم إقامة صادرة عن الأمن العام اللبناني، ومليون و486 ألفاً مسجلون لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، أما غير المسجلين في أي مكان فيبلغ عددهم وفق التقديرات 300 ألف سوري، كانوا دخلوا لبنان خلسة.

وتنظر السلطات اللبنانية إلى الملف بوصفه عبئاً لم تعد تقوى على تحمّله، فيما تصاعدت النبرة العدائية تجاه اللاجئين، وسط إجماع سياسي على ضرورة إيجاد “حل جذري” لإعادتهم إلى بلدهم. فلبنان ومن جراء أعباء ملف اللاجئين وتبعاته سياسياً وأمنياً وإقتصادياً، بات مسجوناً داخل هذا الملف “السجن”، جراء شعور اللبنانيين أن بلدهم يغرق بالوجود السوري، كما أنه بات أشبه بقنبلة موقوتة، خصوصاً وسط المخاوف من توظيف واستغلال أمني نظراً إلى هشاشة الدولة.

وفي ضوء الاكتظاظ الحاد والمشكلات التي تعانيها السجون اللبنانية، تسعى الحكومة إلى تخفيف الزحمة في السجون من خلال بذل جهود مع النظام السوري علّه يوافق على تسلم عدد من مواطنيه السجناء ليستكملوا أحكامهم خلف قضبانه. وعليه، تقرر تكليف المدير العام للأمن العام بالإنابة اللواء الياس البيسري بالتواصل مع السلطات السورية لبحث إمكان تسلمها الموقوفين السوريين لتخفيف الاكتظاظ داخل السجون اللبنانية. وأكد وزير العدل هنري خوري، أن هذه المسألة لا يمكن معالجتها دفعة واحدة بل ينبغي درس كل ملف على حدة، والتمييز بين الموقوفين والمحكومين السوريين الذين بحوزتهم إقامات شرعية في لبنان وأولئك الذين لا يملكون إقامات، ولا سيما أن النزوح السوري إلى لبنان لم يتوقف حتى اليوم، وهو يتطلب تنظيماً وفق القوانين اللبنانية، على حد قوله. غير أن المسألة تثير قلق الناشطين الحقوقيين حول مصير معارضي النظام إذا قررت الدولة اللبنانية تسليمهم.

وفي هذا الاطار، ترى كيلي بيتيلو مديرة برنامج الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية أن “عمليات ترحيل أجهزة الأمن اللبنانية القسري للسوريين قد إرتفعت في سنة 2023. ويعدّ هذا سبباً مباشراً في زيادة عدد الوافدين إلى قبرص وأوروبا، كما يتعرض العديد من السوريين الذين عادوا (أو تقرر ترحيلهم) إلى سوريا للخطر، فقد تقتلهم السلطات السورية أو تسيء معاملتهم، وهو ما يدفع بالمزيد من اللاجئين في لبنان إلى محاولة المغادرة إلى أوروبا بدلاً من البقاء فيه”.

وتأتي هذه الخطوة في إطار سلسلة إجراءات بدأ لبنان بتنفيذها في الأيام الماضية لمعالجة أزمة النزوح السوري، شملت إقفال محال تجارية غير شرعية يديرها سوريون في عدد من المناطق وتعديل شروط تجديد الإقامات ومنحها. فهل مسعى الحكومة إلى تخفيف الزحمة في السجون من خلال بذل جهود مع النظام السوري، يلقى موافقة على تسلم عدد من مواطنيه السجناء ليستكملوا أحكامهم خلف قضبانه، أم يصطدم بمعارضة محلية ودولية، تطالب بالعودة الآمنة لهم، خصوصاً مع إتهام المنحة الأخيرة من الاتحاد الأوروبي، بأنها “رشوة”، لإبقاء اللاجئين السوريين في لبنان؟

شارك المقال