“أوكسيجين الحرب” لاسرائيل و”الحزب”

جورج حايك

ليست صدفة أن تكون الحرب جزءاً من مشروعي اسرائيل و”حزب الله”، وإذا أردنا تبسيط الفكرة، نقول انهما متقاطعان على أن “لا صوت يعلو فوق صوت المعركة”، وهذا ما يبدو واضحاً منذ قيام حركة “حماس” بعملية “طوفان الأقصى” وبدء الاشتباكات في الجنوب اللبناني في 8 تشرين الأول الفائت. فالعدوّان الودودَان يريدان الاستمرار في الحرب، كلّ لاعتباراته الخاصة، وكالعادة لبنان هو الضحية الأساسية بسبب تنفيذ أجندات خارجية.

لا شك في أن الحرب بالنسبة إلى رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو أصبحت كالأوكسجين الذي يتنفسه ويبقيه على قيد الحياة، والدليل على هذا الكلام الرسائل التهديديّة التي ترد على لسان القيادات العسكريّة الاسرائيليّة وتصريحاتها في أكثر من مناسبة، والتي يعتبرها كل الديبلوماسيين الأجانب الذين زاروا لبنان جديّة، وقد أبلغوا المسؤولين الرسميين اللبنانيين بأن المخاطر من إقدام تل أبيب على عدوان كبير ترتفع، والخشيّة من صيف ساخن ينتظرنا. والمفارقة أن نتنياهو لم تلجمه تحذيرات الرئيس الأميركي جو بايدن، وأقدم على بدء معركة رفح على الرغم من تلويح الادارة الأميركية بمنع وصول الأسلحة والذخائر إلى اسرائيل.

ولا يختلف اثنان على أن نتنياهو يتخذ قراراته بناء على حسابات داخلية، فالوزراء المتشددون في الحكومة يتّهمونه بالضعف عندما يتهاون، ومعارضوه الذين ينتظرون محاسبته وتسلم السلطة يراهنون على استراتيجيته الخاطئة. لذلك، هو يفضّل الاستمرار في الحرب على طريقة “صولد وأكبر”، بمعنى آخر يقامر بمصيره ويلعب ورقة الحرب حتى النهاية، فإما يخرج بإنجاز نوعي ويحرر الرهائن ويقصي “حماس” نهائياً، أو يخسر الحرب ويُنهي مسيرته السياسية بفشل ذريع!

أما من جهة “حزب الله” فهو يريد حرباً مضبوطة لأنه يعرف أن الحرب المفتوحة ومن دون ضوابط ستحرقه وربما يمتد حريقها إلى النظام الايراني، لكن الوقائع أثبتت أن لا ضوابط في الميدان، بدليل أن اسرائيل اغتالت قيادي “حماس” صالح العاروري في عمق الضاحية الجنوبية وقصفت البنية التحتية لـ”الحزب” في البقاع وبعلبك وصيدا، واغتالت قيادييه الميدانيين، ما دفع “الحزب” إلى الرد في عمق الشمال فطالت صواريخه ومسيّراته المطلة وعكا وغيرهما. ولولا الضغوط الأميركية لكان الوضع أسوأ من ذلك جنوباً، إضافة إلى اعتبارات اسرائيلية تتعلّق بحرب غزة وتجنّبها فتح الجبهتين الشمالية والجنوبية على مصراعيهما.

ولا تسمح شعارات “الحزب” ومعادلاته بالتوقّف عن الحرب، وخصوصاً معادلة “وحدة الساحات” التي تُلزم الميليشيات التابعة لمحور الممانعة بمناصرة بعضها، ومن المعروف أن ايران التي اخترعت هذه المعادلة تتبع استراتيجية توسعيّة للسيطرة على دول قريبة وبعيدة لفرض مشروعها المذهبي الديني، وبالتالي لا يمكن أن تتوقف الحروب في قاموسها، و”الحزب” أحد أهم أحصنتها بتجهيزاته العسكرية ومقاتليه المدربين على مستوى جيد.

هذا الأمر يؤكده الباحث في شؤون الارهاب بيار جبور، ويقول: “يعيش الحزب على استدامة الحرب لأن طبيعته عسكرية وحربية، والسياسة بالنسبة اليه ليست سوى تقطيع وقت، فيما يستمد وجوده من الحرب، فهو يريد أن يجد مبرراً دائماً لسلاحه الذي يستخدمه للهيمنة على الدولة اللبنانية، ويتلقى المال الايراني ليتوسّع نفوذه، إضافة إلى أن سلاحه يؤمّن له التجارة غير الشرعية التي يؤمّن بها المزيد من الأموال، وهو لا يستطيع الاستمرار الا بهذا الشكل”.

أما اسرائيل، وفق جبور، “فتعتبر الحرب مسألة وجودية أيضاً، وتروّج بأن كيانها مهدد، ولا شيء يمنع الخطر عنها سوى الحرب، ويجب أن لا ننسى البُعد الاقتصادي في الموضوع، لأن كل يهود العالم يدعمونها اقتصادياً وعسكرياً، وتتلقى الهبات بمليارات الدولارات لتشتري السلاح ويبقى اقتصادها مرتاحاً، لذلك يرى حكّامها أن من الضروري خلق عدوّ ليضمنوا تدفّق السلاح وتلقّي المساعدات الاقتصادية”.

ويعتبر جبور أن اسرائيل و”الحزب” يلتقيان عند هذه النقطة، أي الحرب لتحقيق مصالحهما، فمن جهة نتنياهو يُبعد عن نفسه المحاكمة كلّما أطال أمد الحرب، لذلك فتح معركة رفح للقضاء على “حماس” وتحقيق ما يسمّى انتصاراً. وفي المرحلة الثانية سيضغط على لبنان لتنفيذ القرار 1701 وربما أبعد من ذلك أي الهجوم العسكري على لبنان. ويلفت جبور إلى أن “كل ذلك يؤشّر إلى أن مسارات الحرب باقية ولن تتوقّف على المدى المنظور وهذه حاجة اسرائيلية، علماً أن نتنياهو ليس مبالياً بدمار في غزة أو بالوضع الانساني للفلسطينيين، وهمّه الوحيد تحقيق أهداف الحرب. فيما الحزب مضطر إلى أن يستمر في المواجهة لأن هدفه المساندة والمشاغلة وقد يتعرّض لنقمة بيئته إذا تخلى عن شعاراته ووعوده، وحتماً ليس مبالياً بمصير لبنان وقدرة البلد الصغير على تحمّل الحروب”.

أما الباحث والكاتب السياسي الدكتور ميشال شماعي فيذهب إلى مستويات أعمق في تحديد مفهومي الحرب بالنسبة إلى اسرائيل و”حزب الله”، قائلاً: “لنفهم نظرية الحرب الدائمة التي يعيش عليها كلّ من الحزب والعدو الاسرائيلي، علينا أن نفهم البُعدَين اللذين يقوم على أساسيهما هذان الكِيانان الهجينان. البُعد الأوّل أي العدو الاسرائيلي استطاع عبر الاخضاع الايديولوجي الذي قادته المنظمة الصهيونيّة بدءاً بالمؤتمر الافتتاحي للمنظمة الصهيونية، الذي عقد بزعامة تيودور هرتزل في مدينة بازل بسويسرا يوم 29 آب 1897 أن يوحّد المجتمعات الاسرائيلية المنتشرة في العالم، تحت المظلة الصهيونية وصولاً الى اغتصابه دولة فلسطين واعلان دولته. لكنّ الهجانَة الحضاريّة غلبت على الأصالة الحضارية اليهودية التي حاولت المنظمة الصهيونية تكريسها. فبقي هذا المجتمع بحاجة الى حرب دائمة لشدّ أواصره الحضاريّة، وتأصيله أكثر حضاريّاً؛ وذلك لأنّ المشروع الصهيوني هو مشروع عنصري يناهض الفكر التعدّدي. لذلك هو بحاجة الى زرع عامل الخوف من الآخر”.

من هنا يُمكن فهم البُعد الثاني عند اسرائيل، وفق شماعي، فالخوف من الآخر يساعدها في بناء ثقافة الحرب الدائمة مع هذا الآخر، وهذا ما يثبّت لها دولتها المزعومة.

أمّا بالنسبة الى “الحزب”، فيشير شماعي إلى أن أمينه العام حسن نصر الله ما فتئ يكرر مضمون الرسالة الأولى في العام 1985 والثانية في العام 2009، إضافة إلى ما خطّه نائبه الشيخ نعيم قاسم في كتابه “حزب الله المنهج التجربة المستقبل”، وفيه في الصفحة 42 المشروع الواضح لـ”الحزب”، أي إقامة الدولة الاسلاميّة في لبنان “والتي تقوم على نهج الإمامة الإلهية تحت نظرية ولاية الفقيه. هذه النظرية التي لا تقبل المختلِف إلا إن كان ذمّيّاً وخاضعاً. لذلك هي تعمل على بثّ الفكر الاستكباري – الاستعلائي الذي نجحت في تحقيقه بقوّة وهج السلاح غير الشرعي الذي امتلكته تحت ذريعة مقاومة العدو الاسرائيلي. وهي بحاجة الى نظرية الحرب الدائمة لتؤمّن استمرايّة وجودها بالعلّة التي ابتدعتها لذاتها؛ كذلك وفّر لها هذا الأمر القدرة على ترهيب الآخر المختلِف بأقصى حدٍّ، أو ترغيبه بالحدّ الأدنى، عبر إغداق عليه ما غَنِمَه من الدولة بوساطة حليفه الرئيس نبيه بري. فنجح في استيلاد فئة جديدة من الذمّيّين الجدد الذين أوهمهم بتوقيع اتفاق 6 شباط 2006 معهم، أمّنت له المزيد من السيطرة السياسيّة على الدولة العميقة. هذان البعدان اللذان يوفّران ديمومة الحزب”.

ويوضح شماعي أن “نظريّة الحرب الدائمة توفّر لهذين العدوّين الودودَين قدرة على الوصول إلى مشروعيهما المشترَكَين في دولة عنصريّة قوميّة أولى يهوديّة وثانية مذهبية شيعيّة (فارسيّة – صفويّة). وبالتالي لن ينجحا إلا بضرب الفكرة اللبنانيّة الكِيانيّة التعدّديّة الحضاريّة. وهنا الطامَة الكبرى”.

ولا يمكن إلا موافقة شماعي على اعتباره أن “لا خلاص لنا في لبنان إلا بإسقاط نظريّة الحرب الدائمة بين هذين العدوَّين الودودَين عبر تطبيق القرارات الدوليّة، وأوّلها القرار 1559 لإسقاط الاحتلال السيادي الذي نجح الحزب في تكريسه بعد انقلاب 8 أيار 2008 الذي أتى استكمالاً لـ 6 شباط 2006؛ وعبر القرار 1680 للانتهاء من الذرائع الحدوديّة البرّيّة كلّها، وصولاً إلى القرار 1701 لوضع حدّ للعدو الاسرائيلي بهدف وقف هذا النزف الحاصل في الجنوب اللبناني منذ تمّوز 2006 وحتّى ما بعد 8 تشرين الأول 2023”.

شارك المقال