هل سيتغير شيء؟

عاصم عبد الرحمن

منذ إعلان سقوط المروحية التي كانت تقل الرئيس الايراني إبراهيم رئيسي ووزير الخارجية حسين أمير عبد اللهيان الأحد الفائت، تنهمر بغزارة التحليلات السياسية والتخمينات الافتراضية حول الحادثة التي تحوم حول وقوعها شبهات مختلفة خصوصاً وأن إيران تمسك بملفات عديدة شديدة التعقيدات، منها الملف النووي وأذرعها في المنطقة والدور الذي تبحث عنه في الاقليم، فهل سيتبدل أسلوب الممارسة السياسية الايرانية مستقبلاً؟

يمكن توصيف الجمهورية الاسلامية الايرانية ببلاد الغموض ذات الديبلوماسية الباردة والسياسة السلحفاتية، إذ يبدو أن عقارب الساعة في إيران عرجاء تسير بصعوبة وبطء شديدين وكأنها تعيش خارج الزمن. يتميز الأسلوب السياسي الايراني باعتماد الذبح بالقطن على اعتبار أنها لا تستعجل فريستها، كما أن ديبلوماسيتها الأقرب إلى الموت السريري تتغذى على نظرية المؤامرة. فقد اتهم وزير الخارجية السابق محمد جواد ظريف الولايات المتحدة والرئيس الشهيد صدام حسين بالمسؤولية عن سقوط طائرة رئيسي بالنظر إلى خضوع إيران لعقوبات الأولى ومعاناتها جراء حرب الأخير، وذلك على الرغم من إصدار هيئة النقل الكندية تحذيراً بشأن نوع الطائرة (Bell 212) المصنوعة في الولايات المتحدة عام 1968 وأوقفت العمل بها منذ العام 2021 وهي التي استقلها رئيسي ورفاقه إلى أذربيجان.

فرضيات كثيرة فرضت نفسها على النقاش الدائر حول حادثة سقوط طائرة الرئيس الايراني أو إسقاطها هي:

– خلل فني: إهمال قطاع النقل الجوي صيانة المروحية.

– رداءة الطقس: اصطدام الطائرة بأحد الجبال في منطقة تبريز عاصمة محافظة أذربيجان الشرقية شمال غرب إيران، بسبب سوء الأحوال الجوية.

– إغتيال خارجي: اتهام الولايات المتحدة أو إسرائيل بتدبير الحادثة وهو ما نفته الأخيرة.

وتبقى الفرضيات قائمة حتى إثبات صحتها أو نفيها وهو ما يرجح حدوثه على الأغلب، ذلك أن صورة السقوط من الإسقاط لن تنجلي لأسباب عدة منها رغبة إيرانية في ممارسة الإبتزاز السياسي والتهويل المؤامراتي الذي يشكل إحدى أبرز سمات الممارسة السياسية الايرانية التي قد تلفحها بعض التغييرات الشكلية والظاهرية.

في هذا السياق، يقول الباحث والمتخصص في الشؤون الايرانية الدكتور خالد الحاج لـ “لبنان الكبير”: “نحن أمام نظام سياسي فريد من نوعه في العالم، من الممكن أن يؤدي موت الرئيس إلى تغييرات في السياسة الداخلية والخارجية، ولكن السؤال هنا إلى أي مدى ستؤثر هذه التغييرات التي ستعتمد على عوامل عدة على اعتبار أن السلطة لا تتركز بصورة كاملة بيد الرئيس بل يتقاسمها مع مرشد الجمهورية ومجلس الشورى والحرس الثوري”.

يضيف الحاج: “إن المنهج الفكري الذي يحمله الرئيس القادم قد يتميز عن خلفه، وفي مقارنة مع رؤساء سابقين يتبين أن بعضهم يختلف عن الآخر وهذا ما يميز بين الرؤساء الايرانيين ولكن عموماً القاعدة الأساسية للسياسة الايرانية التاريخية تؤكد أن التوجه العام في إيران غالباً ما يبقى مستقراً لأن الهيكل السياسي معقد وثابت”.

ويختم الحاج بالقول: “في ما يتعلق بالملف النووي قد تحدث بعض التغييرات التي ترتبط بشخصية الرئيس القادم ووزير الخارجية لأن الأسلوب السياسي المستخدم منهما مهم إلى حد بعيد، ولكن القاعدة الثابتة في هذا الملف خصوصاً ما يتعلق بالمفاوضات أن أي قرار يجب أن يؤخذ بالتنسيق مع المرشد الأعلى بالاضافة إلى مؤسسات السلطة الأخرى. إذاً في حال حدوث أي تغيير سياسي سيبقى محدوداً وتحت سقف المؤسسة الحاكمة المتمثلة بمرشد الجمهورية”.

فرضية أخرى يتم التداول فيها همساً على صعيد الصالونات السياسية ومجتمع مناقشة العلاقات الدولية ومعالجة السياسات الداخلية للدول، وهي فرضية ملأت وسائل التواصل الاجتماعي وشغلت المتابعين لحظة الاعلان عن مجرد اختفاء طائرة الرئيس، فقد أعادت هذه الحادثة إلى الأذهان الصراع الدائر داخلياً على وراثة مرشد الجمهورية علي خامنئي الذي يصارع المرض كما يصارع توريث نجله مجتبى منصب المرشد في مقابل المرشح الأبرز الرئيس إبراهيم رئيسي والأحق بالنظر إلى توليه كل المناصب وتنفيذه مختلف المهمات التي تجعل منه ولياً مقدساً للفقيه وآية الله الذي سيحقق مشروع الولاية الذي تسقط تحت أقدامه كل الولايات.

يقول وزير سابق مقرب جداً من مرشح رئاسي بارز اجتمعا مع مرشد الجمهورية الايرانية السيد علي خامنئي منذ سنوات عدة: “بهدوء مطبق قال لنا المرشد وفق المترجم المرافق أننا سننتصر، إن لم ننتصر نحن سينتصر أبناؤنا، وإن لم ينتصر أبناؤنا سينتصر أحفادنا، فثار المرشح الرئاسي متسائلاً إن كان عليه أن ينتظر كل هذا الوقت ليصبح رئيساً”. تلك هي سمة السياسة الايرانية الصبر والانتظار حتى الملل.

شارك المقال